Log in
updated 10:24 AM IDT, Sep 17, 2018

إضراب الكرامة: أهم المعارك الوطنية

  • كتبه مهند عبد الحميد
  • نشر في آراء ومقالات
مهند عبد الحميد مهند عبد الحميد

معركة أسرى الحرية المفتوحة التي بدأت، أمس، تكتسب أهمية كبيرة قد تتجاوز إيجابياتها التقديرات والتوقعات الأولية؛ فهذه المعركة الوطنية التي بادر إليها المناضل مروان البرغوثي ورفاقه وإخوانه في السجون الاسرائيلية أعادت الاعتبار لنضال الأسرى الجماعي المشترك، الذي تحول في السنوات السابقة إلى نضال فردي. ها هم الأسرى يستعيدون إرادتهم الجمعية وينتزعون زمام المبادرة في مسعى بطولي لنيل مطالبهم المشروعة. ها هم يتحدون خلف القضبان وداخل الزنازين ويوحدون معهم الشعب في السجون الكبيرة معازل الفصل العنصري. أراد الأسرى بمبادرتهم الذكية، بداية توحيد الأسرى على أهداف مشتركة، ووحدة الأسرى إذا ما تحققت، ويبدو أن هناك مستوى من الوحدة بدأ يتحقق، ستؤدي إلى التفاف الشعب من حولهم، ذلك الالتفاف القادر على اختراق جدران الفئويات التنظيمية في الخارج. معركة الأسرى وضعت ملفات عديدة شائكة على بساط البحث، في مقدمتها التفكك الفلسطيني، وإخفاق محاولات إعادة ترتيب وتقوية البيت الداخلي الفلسطيني، واستمرار انفصال الحركة السياسية عن المصلحة العامة وعن نبض السواد الأعظم من المواطنين، وما ترتب على ذلك من أزمة ثقة، وضعف قدرة الحركة السياسية على إشراك المواطنين وتجمعات الشتات في معارك وطنية، باستثناء تنظيم المهرجانات المركزية. ما تطرحه معركة الأسرى هو استقطاب المواطنين وإشراكهم في دعم المطالب، توطئة لمشاركتهم في معارك أخرى؛ ذلك أن نجاح الأسرى بدعم واحتضان كبير من المواطنين، من شأنه أن يصوب اختلالات أخرى. المعارك الصغيرة والكبيرة حول قضايا وطنية وإنسانية وديمقراطية واجتماعية وثقافية هي التي تغير الوضع البائس القائم، وهي البديل لحوار الطرشان والاتفاقات المنعزلة عن هموم الناس، والبديل عن وسائط جماعات «البزنس». معركة الأسرى تفتح المجال أمام تدخلات ومبادرات غير تقليدية، بدءاً بالدعم الرمزي لأصحاب الأمعاء التي ستصبح خاوية بعد اليوم الأول للإضراب. وهنا تُطرح مسؤولية المؤسسات والمواطنين في إنجاح الإضراب. ثمة حاجة إلى وضع أفكار وخطط وأدوار حتى لو كانت بسيطة وصغيرة وجزئية. ما يهم هو مشاركة أكبر قطاع من الناس في الدعم والإسناد. ومشاركة المؤسسات وفقاً لاختصاصاتها. أعجبني مسؤول سابق بادر إلى مخاطبة زملاء له في المؤسسة، سمعته يقترح امتناع الموظفين/ات الحكوميين عن شرب الشاي والقهوة والضيافة الداخلية والخارجية وتحويل قيمتها المالية طوال فترة الإضراب لصندوق الأسرى. الامتناع عن الشرب والأكل داخل المؤسسات الحكومية نوع بسيط من التشارك – أضعف الإيمان- ورصد المصروفات نوع من الدعم. وتحتاج الخيام المنصوبة في الساحات العامة؛ تضامناً مع الأسرى المضربين إلى تفعيل، عبر برامج تُعرف بالأسرى كمناضلين من أجل الحرية، وكقصص فداء ومعاناة وتضحية في سبيل الوطن والشعب. وهذا يطرح دور الفن والأدب في التفعيل عبر(الغناء وإلقاء الشعر والقص والحكايات والقصص الصحافية)؛ بهدف تقديم الحرية كجوهر للمقاومة، رداً على عملية التشويه وتجريد المقاومين من إنسانيتهم ورسالتهم الوطنية وإلصاق  تهمة الإرهاب بهم. عندما يتدخل الفن والثقافة دعماً لحرية الأسرى، تكتمل معاني المقاومة لتتفوق إنسانياً وأخلاقياً على غطرسة القوة، وتلك هي رسالة الفن. لم نسمع ولم نر موسيقيين وفنانين وشعراء ورواة ورسامين وسينمائيين ومسرحيين يقدمون أعمالهم في الساحات العامة لدعم الأسرى ولإعادة تقديمهم جمالياً إلى العالم، حيث أن تقديم الإبداع من خلال قضية كقضية الأسرى يختلف كثيراً عن تقديمه في مهرجان دعاوي أو تجاري. هل ينفصل الفن وتنفصل الثقافة عن المناضلين من أجل الحرية في هذه المعركة غير المتكافئة مع المحتلين ومؤسساتهم الأمنية؟ ولمعركة الأسرى الراهنة بُعد قانوني يضع القضاة والمحامين أمام مسؤولية اختراق المعايير المزدوجة المأخوذ بها من قبل المؤسسة الاسرائيلية (السياسية والأمنية والقضائية)، وفضح المفارقات للقاصي والداني، فمن جهة يتم اعتماد إسرائيل كدولة ديمقراطية وحيدة، ومن الجهة الأخرى فإن تلك الدولة تفرض نفايات القوانين التي تعود للاستعمارين العثماني والبريطاني في القرون الغابرة وتفرضه على الشعب الذي تحتله والذي تضعه في قبضة أمنية محكمة. الدولة الديمقراطية تحتل وطن شعب آخر وتفرض احتلالها الكولونيالي عليه، وتتعامل مع منظومتي قوانين: واحدة للإسرائيليين وأخرى للفلسطينيين. وتتعامل مع نوعين من الأطفال: إسرائيليين تراعى مشاكلهم، وفلسطينيين ليس لهم غير الموت والعقاب بلا رحمة. القضية القانونية الأهم وهي التنكر الإسرائيلي لحق الشعب الفلسطيني في التحرر، وفي استخدام كل أشكال النضال المجازة بالقانون الدولي. هي لا تعترف بالحق في المقاومة لأنها لا تعترف بوجود شعب له وطن. ولهذه الأسباب تزدري المناضلين من أجل حريتهم وحرية شعبهم وتجردهم من أبسط حقوقهم الإنسانية. هذه الدولة المعتدية التي من المفترض أن تخضع للعدالة وتعاقب على انتهاكاتها، بدلاً من ذلك فإنها هي التي تعاقب المناضلين من أجل الحرية شر عقاب. إن استخدام السلاح القانوني، وكشف المفارقات والمعايير المزدوجة، والانتقال من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم التي تعني طرح قضية الاحتلال والسيطرة على شعب آخر وازدراء القانون الدولي، وطرح حرية الأسرى على بساط البحث، كعنصر تطوير لمطالب تحسين شروط الأسرى المطروحة في هذه المعركة. دعم الأسرى في معركتهم لا يحتاج إلى تردد وانتظار، ففوز الأسرى يرتبط بانضمام أعداد أكبر وأكبر في هذه المعركة، كانضمام كل من يستطيع من الأسرى للإضراب، وانضمام تنظيمات سياسية، والأهم انضمام فئات شعبية داعمة ومحتضنة ومبادرة في كل المجالات الرمزية والمعنوية والعملية، فضلاً عن حفز الأصدقاء والحلفاء على التضامن مع الأسرى ومع مطالبهم المشروعة، إضافة لمطالبة المنظمات الحقوقية الدفاع عن القانون في مواجهة الانتهاكات الاسرائيلية. لم يتبق لدى الأسرى ما يخسرونه، لذا فإنهم سيمضون في هذه المعركة إلى النهاية. وإذا كانت دولة الاحتلال حريصة على كسر إرادة الأسرى وإفشال إضرابهم والتعامل معهم كأفراد، معتقدة أن هزيمة الشعب الفلسطيني تبدأ بإخضاعهم، لذا فقد ضيقت الخناق عليهم وحرمتهم من كل المكتسبات السابقة وعملت وتعمل على إذلالهم كل يوم، فإن الحركة السياسية معنية بصمود وفوز الأسرى، الذي يتحقق بالأفعال وبالمبادرات وبالمزيد من الدعم. إن هذه المعركة الوطنية هي الأهم من حيث التوقيت السياسي في الصراع مع دولة الاحتلال، ومن حيث إعادة الاستقطاب الداخلي، وإعادة التعريف بالتنظيمات والقيادات والكوادر وأولوياتها.