Log in
updated 5:44 AM IDT, Jul 17, 2018

"العلمي" و"الأدبي".. التصنيف الجائر!

  • كتبه علاء الدين أبو زينة
  • نشر في آراء ومقالات
علاء الدين أبو زينة علاء الدين أبو زينة

نسبة النجاح للفرع "الأدبي" في امتحان "التوجيهي" لهذا الفصل، تثير تساؤلات جديِّة حول ما حصل لمضامين هذا الفرع المعرفي المهم. وقبل ذلك، أصبحت الكثير من المدارس (الخاصة، حسب علمي، ولا أعرف عن الحكومية) تتبرأ من هذا الفرع ولا تقوم بتدريسه. وأن تقف نسبة نجاح "الأدبي" عند %18.2  في مقابل 63.1 % لـ"العلمي"، أي نحو الثلث، فإن ذلك قد يعني مجتمعاً يزدهر فيه "العلم"، ويتراجع فيه "الأدب"، حسب أيِّ تأويل للفظتين. ولو كان هذا صحيحاً، ولا أظنه كذلك، فبئس علم بلا أدب.
في وقت سابق -على أيامنا- كان الفرع الأدبي من "التوجيهي" الأردني لا يقل أهميّة عن "العلمي". وكان الفرق هو أن "العلمي" يتيح فقط خيارات أوسع للطالب في الجامعة، فيستطيع أن يدرس الطب أو الفيزياء أو الرياضيات، أو أن يذهب إلى التخصصات المتاحة لطالب "الأدبي"، مثل الاقتصاد أو اللغة أو التاريخ والاجتماع وما شابه. ولم يكن الذهاب إلى "الأدبي" يعني أن الطالب منعدم الكفاءة وليس لديه أي شيء يعرضه من الذكاء أو المعرفة. لكنَّ ما يحصل الآن لدينا ربما يعكس الأزمة العالمية المعروفة باسم "أزمة الإنسانيات".
أعراض هذه الأزمة تشير إلى انصراف عن تقدير أهمية ما يُصنف على أنه تخصصات "إنسانية". وهو تصنيف فضفاض يشمل فيما يشمل: الفنون والآداب واللغة والتاريخ والجغرافيا والآثار والاجتماع والفلسفة وعلم النفس وما شابه. وفي المقابل، يجري الإعلاء من شأن العلوم البحتة والتطبيقية الأخرى، مثل علوم الحاسوب والطب والفيزياء والكيمياء والصيدلة والهندسة والرياضيات، ولو بدرجات متفاوتة أيضاً. ويجهد الباحثون أينما كانوا في تحليل هذا الانحياز الغريب، وقراءة المقدمات والتداعيات.
أما لدينا، فيمكن قراءة الظاهرة من زاوية الانطباعات الثقافية والعملية، على أساس أن أي خيار أكاديمي لا يتيح للابن أن يكون طبيباً أو مهندساً أو صيدلانياً، هو خيار دونيّ. وأتصور أن للأمر علاقة بالمردود الاقتصادي للمهنة، حيث ينبغي (نظرياً) أن يكون صاحب هذه المهن على الطريق السريعة إلى الثروة. ومع أن طريق هذه المهن لم تعد سهلة، ويعاني خريج الهندسة مثل خريج التاريخ، فإن الانطباع الشعبي لم يتغير. ولكن، ماذا عن الانطباعات والممارسات الرسمية والمؤسسيّةِ؟
لم تعد مسألة تقسيمة التوجيهي "العلمي" و"الأدبي" مجرد مسألة توسيع خيارات الطالب في الجامعة، وإنما أصبحت تعكس ازدراءً مؤسسياً للعلوم الإنسانية وما يمُتُّ إليها بصِلة. وكأن العقل الجمعي يفكر: ما حاجتي إلى جماعة التاريخ والآثار واللغة والأدب والفلسفة والاجتماع؟ لعلي أحتاج إلى علوم أكثر إنتاجية للمنافسة في عالم يُجلُّ الماديات والمحسوسات. أريد أن أنافس في الصناعة والابتكار وصناعة الآلات، فماذا أصنع؟
لكنَّ هذا التفكير لا ينعكِس في إجلال التعليم المهني مثلاً، وهو الأساس في التقدم الصناعي الإنتاجي. وهو لا ينعكس في الإعلاء من شأن المهن والتخصصات السياحية التي ينبغي أن تكون قطاعاً أساسياً مُحترفاً في الاقتصاد. كما لا ينعكس في شخصية وطنية ابتكاريَّة تُسجل آلاف الاختراعات. وكل ما في الأمر أن هذا التوجه يُحبط أصحاب المواهب والإمكانات غير المتحققة في الإنسانيات، والذين يُعتبرون فائضاً لا طائل تحته.
من المفارقات أن أول شخص يضع أقدام الفرد على سكة المعرفة هو المعلم الذي يعلمه أبجديات اللغة، وكيف يميز الألف من كوز الذرة. وهذا المعلم الأول هو من أصحاب "الأدبي". ثم، لا أعرف كيف يمكن تصوُّر شخص لا يعرف شيئاً عن تاريخ بلده وإقليمه والعالم، وكيف آلت الأشياء إلى ما هي عليه؛ أو شخص لا يستطيع قراءة رواية أو قصيدة، أو لا يعرف ما هي السياسة أو المجتمع وتكويناته، وهكذا. وهل يعني كون الشخص عالِماً هائلاً في الرياضيات مثلاً، أنه سيكون كائناً سويّاً بلا معرفة عن هذه الأشياء؟
يُنسى أن "الإنسانيات" هي "عُلوم" أيضاً بكل ما في الكلمة من معنى، ولذلك يقال: عالِم في السياسة، وعالِم في اللغة، وعالِم في الاجتماع، وعالِم في التاريخ، أو أيِّ شيء. ولعلّ من الأكرم للإنسانيات ومحبيها إلغاء التصنيف الجائر لـ"العلمي والأدبي" -في التوجيهي والمجتمع- ومنح الطالب إمكانية الاختيار من المساقات حسب ميوله وما ينوي التخصص فيه، بل وإتاحة مسارات استدراكية في الجامعة لضمان إمكانية التغيير.