Log in
updated 10:28 AM IDT, Jun 26, 2017

مقال أرشيفي للأسير باسم خندقجي بعنوان "في ذكرى النكبة.. القضية الفلسطينية إلى أين..؟"

أن تحكي قصتك على مراحل .. كما هي بالفعل" هذا ما قاله ادوارد سعيد بل كان هاجس وجوده الذي أسهم في مقدمة ميادين الفكر منارة لمن يهتدي إليها العديد من الفلسطينيين.

ولطالما كانت القضية الفلسطينية ولم تزل على مدار قرن من الزمن إلى التجلي والتاريخ في نصوص صادقة وجادة على أرشفة هذا الإرث التاريخي المليء بالمعاناة والألم. وتخليد الحكاية لتتحول بدورها إلى اسطورة تمنح ذاتها إلى الشعب الفلسطيني الذي لم يمتلك حتى الآن أسطورته الخاصة التي تصونه وتحميه من النسيان وغياهب الأهداف الوجودية الممتلئة بالتحرير والعودة إلى الاستقلال.

إن النكبة كانت مرحلة البدء التي أذِنت بالشتات وضياع الوطن وأصحابه وتشردهم في بقاع الأرض وهي المرحلة الأقسى والأفظع، ولكن هذا لا يعني أن المراحل والأحداث التي تلتها أقل أهمية منها إذ إن تاريخ تطور القضية الفلسطينية ما هو إلاّ تاريخ متكئ على بعضه البعض بأخطائه وأحداثه إخفاقاته ونجاحاته وهو تاريخ لا يمكننا أن نغزل في تناولهِ مرحلة ما عن مراحل أخرى..أو تهمش بعض الأحداث لصالح أهدافٍ أخرى.

 بالرغم من تناول القضية من عدة جوانب تمثلت بالدراسات والأبحاث التاريخية والتوثيقية والأدب المقاوم بأنماطه، إلاّ أن مرحلة مهمة تم إسقاطها من حسبان المؤرخين والباحثين الفلسطينيين..

ألا وهي وهي مرحلة ما بعد أوسلو بكافة تفاصيلها والعودة المُلتَبِسة لمقاتلي الحرية إلى أرض عطشى للحرية.. إذ اهتم الباحث الفلسطيني بالصورة العامة للقضايا الكبرى دون الخوض المباشر والتشخيصي والنقدي في عمق الواقع الفلسطيني ما بعد أوسلو.

 إن توثيق الواقع الفلسطيني لا يقوم على حسابات فئوية ضيقة والمزايدات المهترئة.. بل هو توثيقٌ نقي للأجيال القادمة التي ستسأل وسيكبر سؤالها حول مراحل القضية الفلسطينية وتاريخها وعن حق العودة للذين هجروا من أراضيهم ولماذا هجروا..؟

يجب شرح كافة الجوانب التي مر بها الشعب الفلسطيني من بدء التآمر عليه وعلى أرضه وتآمر الدول الكبرى وبعض الدول العربية بعد الحرب العالمية الأولى ومعاهدة سايكس بيكو ودور بريطانيا العظمى في تشريد الشعب الفلسطيني منذ وعد وزير الخارجية بلفور وإعطاء وطن قومي لليهود في فلسطين التاريخية.

وتآمر الصهيونية العالمية في معاداة ألمانيا النازية وتدمير اقتصادها ما سهل ذلك لأدولف هتلر النازي بقمع اليهود في الحرب العالمية الثانية ما ساعد في تهجيرهم عن طريق بريطانيا إلى فلسطين التي كانت تقبع تحت الانتداب البريطاني بالمقولة الشهيرة: "شعبٌ بلا أرض.. لأرض بلا شعب".

من هُنا بدأت المأساة والتآمر على ضياع فلسطين وضياع الشعب الفلسطيني والنجاة من المذابح التي كانت تمارسها العصابات الصهيونية في فلسطين. إن المرحلة التي يجب أن يسعى إليها الباحث الفلسطيني هي إضاءة بعض الملامح من هذا التاريخ العقيم ويجب أن تكون محاولة جادة تهدف إلى الإجابة وحكاية ما يجب حكايته من بحثٍ لجيلٍ قادر حق على قيادة المرحلة المقبلة.

اردان بطل اللحظة.. والبرغوثي البطل التاريخي

في نهاية المطاف التاريخ هو الذي سيحاكم. من الذي سيذكره التاريخ؟ جلعاد اردان أم مروان البرغوثي؟ صاحب الصفقات من رمات افيف ج الذي يسكن في شارع يسمى على اسم قاتل يهودي أم المحارب من معتقل كيشون؟ السجان أم السجين؟ من يضع الحلوى أم الذي أكل منها؟ الوزير أم "أكبر القتلة"، كما يسميه موشيه نوسباوم؟

من منهما يحارب من اجل موضوع أكثر أحقية؟ من منهما يحارب أصلا من اجل أي شيء؟ ومن منهما ضحى بشيء في حياته؟ ومن هو المسؤول عن سفك الدماء بشكل أكبر؟ ومن هو الذي يسعى الى السلام بشكل أكبر؟ في النهاية التاريخ سيحاكم. عملياً، لقد حكم منذ زمن. اردان لن يكون حتى علامة هامشية، وهو ايضا المسؤول عن سفك دماء أكثر، عمليات الشرطة وحرس الحدود التي توجد تحت سيطرته. أما البرغوثي فعمل من اجل السلام أكثر منه الى أن يئس، وبحق.

إن شعر اردان أفضل، وبدلته أنيقة أكثر، وهو يلبس ساعة ثمينة ايضا. في المرة الاخيرة التي رأيت فيها البرغوثي كان يلبس ساعة "كاسيو" الرخيصة. الاثنان درسا العلوم السياسية، ودرس اردان القانون ايضا. وهو بالتأكيد أكثر تعليما. فقد تعلم اردان في معد ديني والبرغوثي لا. وعمل اردان في اتحاد المقاولين والبرغوثي لا. الاثنان هما آباء اربعة اولاد، اردان يعتبر أب أكثر انتماء لاولاده، يستطيع أن يراهم. في الوقت الذي درس فيه اردان في المعهد الديني انضم البرغوثي للنضال. وفي الوقت الذي كان فيه اردان ضابط في الجيش تم اعتقال البرغوثي للمرة الاولى.

عندما عارض اردان اتفاق اوسلو كان البرغوثي يطرق الابواب في اسرائيل ويحاول الاقناع بأهمية السلام. "رجل العقد في الصراع ضد حوادث الطرق" (حسب جمعية "ضوء اخضر") كان اردان، لكن رجل العقد في النضال الحقيقي كان البرغوثي. لم يسبق لاردان أن قاتل في حياته من اجل شيء باستثناء مكانه في قائمة الكنيست. وهو عضو في خمس دورات للكنيست، ووزير في ثلاث حكومات، ولم يضح بأي شيء على مذبح فكرة. وقد تراجع كثيرا وتنازل خشية من بنيامين نتنياهو. لا يوجد شخص مثل اردان سيدفع ثمنا شخصيا من اجل أي شيء. البرغوثي ضحى بحياته وبعائلته وبمصيره من اجل فكرة ليس هناك أسمى منها. البرغوثي هو مقاتل من اجل الحرية. أما أردان فهو مقاتل من اجل الانتخابات التمهيدية. البرغوثي هو قط شارع، أما أردان فهو كلب أليف.

في هذه الاثناء البرغوثي يضرب عن الطعام، وقد نصب له أردان شركا. يجب علينا أن نؤدي التحية لاردان ومصلحة السجون. هم لا يخجلون، ليس لهم ولو القليل من الخجل. قوموا بالتصوير أيها السجانون، أنتم الابطال على الضعفاء، قوموا بتصوير المراحيض، وقوموا ببث الافلام في وسائل الاعلام. وضعوا أفخاخ الفئران وقوموا بنشر ما قمتم باصطياده. أنتم كثر. وفي مراكز الليكود سيحبون ذلك، أردان ضد البرغوثي. "لا استطيع تفصيل من أدخل ماذا. وعندما استقيل سأتمكن من التحدث"، هذا ما قاله الوزير عن الحلوى. جون لا كارا الاسرائيلي امتدح ايضا "العمل الاستخباري" لمصلحة السجون. لا يوجد ما هو أدنى مستوى من هذا العمل الاستخباري. المسؤول عن الشرطة التي تعرض أمام اطفال رمات هشارون كيفية قتل المصاب وكيفية الاعتداء على الناس، يتفاخر ببطولة مصلحة السجون في عملية الحلوى.

النتيجة 1: صفر لصالح اردان. لقد انتصر كبير السجانين على كبير المخربين. البرغوثي أكل قطعة البسكويت، وتم حسم المعركة. البرغوثي غير مضرب عن الطعام، أكل لقمة. إلا أنه في يوم من ايام الاضراب، بما في ذلك قطعة البسكويت. البرغوثي ضحى بشكل أكبر مما ضحى أردان طوال حياته من أجل شيء ما. وفي يوم من ايام الاضراب عن الطعام يقاتل البرغوثي من اجل شأن عادل، أكثر من أي شأن خطر ببال اردان ذات يوم، بما في ذلك صراعه ضد حوادث الطرق.

 

قوموا بتأدية التحية لاردان، بطل اللحظة. أما التاريخ فسيعترف بالبرغوثي.

أنجلينا جولي والسودان... وماكرون وروسيا

على مدى أسابيع انشغل كثير من السودانيين في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي عدد من الصحف والمواقع الإخبارية الإنترنتية، بخبر عن زيارة يفترض أن تقوم بها هذا الشهر نجمة هوليوود أنجلينا جولي للسودان، لتصوير فيلم قيل إن اسمه «من هنا يبدأ التاريخ»، ويحكي عن الحضارة السودانية القديمة ويركز على حضارة مملكة كوش، وعلى مناطق الآثار والأهرامات في شمال السودان. وطغت صور أنجلينا جولي بالطبع على الأخبار المتناقلة، علماً بأن الفيلم كما قيل سيكون أيضاً من بطولة النجم العالمي الشهير ليوناردو دي كابريو.
أثار الموضوع كثيراً من الاهتمام، وشيئاً من الجدل أيضاً. فالقصة هنا ليست في اختيار النجمين اللذين يتمتعان بشعبية كبيرة من شأنها أن تجذب الاهتمام، بل في موضوع الفيلم وعنوانه، لأنه يبني على الحساسيات التي برزت بشدة أخيراً بين مصر والسودان، وما أعقبها من تراشقات سودانية - مصرية، لا تزال العلاقات بين البلدين تعاني من آثارها.
بعض المعلقين المصريين ابتلعوا الطعم وراحوا يتناقلون القصة من زاوية «تاريخ من هو الأقدم، وأهرامات من هي الأكبر»، ويسخرون من اسم الفيلم المفترض ومغزاه. ولحسن الحظ كان المعلقون من جانب الإعلاميين المصريين قلة محدودة وضئيلة، وليس كما حدث إبان الضجة التي أحدثتها زيارة الشيخة موزا. فالعلاقات بين السودان ومصر تمر اليوم بمرحلة غريبة من الشد، تجعل المرء يخاف عليها من تأثير الكلام الطائش، والتعبئة الإنترنتية.
خبر الفيلم تناقلته كذلك وسائل إعلامية عربية أخرى، وأوردته كما هو من دون أن تتكبد عناء البحث والتدقيق والتقصي؛ لتسهم بذلك في أجواء الضجة والإثارة حول القصة. لكن بعض الذين اجتهدوا لاحقاً حصلوا على نفي لبعض التفاصيل مثل تلك المتعلقة بالتمويل الذي ذكر أنه سيكون من قطر. فقد أوردت بعض المواقع نفياً من وزارة الثقافة والرياضة القطرية، ومن مؤسسة الدوحة للأفلام اللتين قالتا إنه لا علاقة لهما بالفيلم أو بتمويله. وأول من أمس، بعد أسابيع من الضجة المتواصلة حول القصة، نشرت صحيفة «آخر لحظة» في الخرطوم نفياً من «مصدر رفيع» في وزارة السياحة السودانية يقول فيه إن الوزارة لا علم لها بزيارة أنجلينا جولي للسودان في 25 مايو (أيار) الحالي لتصوير فيلم. واعتبرت الوزارة أن الموضوع كله «كلام واتساب»!
هل تنتهي الضجة هنا؟
الأرجح أننا سنشهد فصولاً وأفلاماً أخرى ما دام الناس، أو فلنقل أغلبيتهم، يتناقلون «كلام الواتساب» على عواهنه، من دون تريث أو تمحيص. فطوال الضجة حول الفيلم المفترض كان النابهون الذين أثاروا أسئلة حول مدى صحته وجديته هم الأقلية. أسئلة بديهية من نوع من هو كاتب القصة والسيناريو؟ ومتى تم الإعداد للفيلم والتعاقد مع أبطاله العالميين، لأن أحداً لم يسمع عنه شيئاً إلا قبل أسابيع، وكيف كتبت القصة وتم الإعداد وبدأ التصوير في أقل من شهرين؟
«الأخبار المفبركة» أصبحت في عصر الإنترنت وسطوة وسائل التواصل الاجتماعي، قضية خطيرة كبرى تشغل العالم وحكوماته. الأمثلة كثيرة وفي مجالات متنوعة، لعل أهمها كان في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وما صاحبها من جدل حول تأثير الاختراقات والتسريبات الإنترنتية على نتيجتها، وما أعقبها من تحقيقات مستمرة بشأن التدخل الروسي في حرب التسريبات، وبشأن الاتصالات بين بعض أعضاء فريق دونالد ترمب وروسيا. أما آخر النماذج فقد كان في انتخابات الرئاسة الفرنسية التي حسمت الأحد الماضي بفوز إيمانويل ماكرون على منافسته مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف. ففي آخر أيام الحملة الانتخابية أعلن أن حزب ماكرون تعرض لعملية قرصنة واسعة، يعتقد أنها روسية، وأن كمية من الوثائق الأصلية التي سرقت نشرت على الإنترنت وحشر بينها عدد من الوثائق المزيفة بهدف التضليل. الدرس المهم هنا أن الفرنسيين استوعبوا ما حدث في الانتخابات الأميركية، وسعوا بالتالي إلى الحد من تأثير التسريبات والأخبار المفبركة. وبينما تجاوبت وسائل الإعلام الفرنسية مع الدعوة للامتناع عن نشر الوثائق «المقرصنة»، فإن التنسيق مع مسؤولي «فيسبوك» أدى لحجب وإزالة 30 ألف حساب «مزيف» على شبكة التواصل الاجتماعي كان يمكن أن تستخدم في بث الأخبار والمعلومات المضللة الموجهة للتأثير على الرأي العام الفرنسي قبل الانتخابات.
قصة الفيلم السوداني قد تبدو بسيطة وساذجة، بالمقارنة مع موضوع التدخل في الانتخابات الفرنسية أو الأميركية، لكن الرسالة واحدة، وهي أننا نواجه اليوم حرباً مختلفة وبوسائل جديدة للتأثير على الرأي العام، وهي حرب ستكون بالتأكيد أخطر مما عهدناه قبل عصر الإنترنت الذي يطرح تحديات كبرى، مثلما يقدم فرصاً ما زال العالم يحاول أن يتكيف معها.

هكذا تعرّف إسرائيل نفسها؟

بينما ينشغل الفلسطينيون كل وفق حساباته، في موضوع المصالحة المتعطلة والإجراءات المبهمة التي يكرر الرئيس محمود عباس أنه سيتخذها، وأنها غير مسبوقة، وايضاً كل من موقعه يتعامل مع معركة الأمعاء الخاوية، ثمة معركة أخرى وطنية بامتياز تستحق من الكل الوطني إيلاءها كثيرا من الاهتمام. تجاهل هذه المعركة، بما تستحق من اهتمام، يقدم مؤشراً آخر على مدى خطورة استمرار الانقسام، وتداعياته، التي جردت المواطن من وطنيته ومن اهتمامه بالحقوق الوطنية، وأشغلته في التفكير والتدبير في شؤون حياته الخاصة المهددة، وايضاً بسبب استمرار الانقسام. هي حال من الاستنزاف المتواصل، للجهد الوطني، ولجملة القيم، الوطنية، لحساب استمرار انقسام، وحصار، يعلن الجميع أنه يخدم المصالح الإسرائيلية وينكر الجميع ما ينطوي عليه ذلك من مصالح لفئات وفصائل على حساب المصالح الوطنية العليا. في إسرائيل جرى يوم أمس، المصادقة بالقراءة التمهيدية الأولى في الكنيست على مشروع «قانون القومية»، والذي تقدمت به اللجنة الوزارية للتشريع، الأمر الذي يعكس موقفاً رسمياً لحكومة اليمين المتطرفة، وليس لعضو كنيست أو كتلة حزبية. «قانون القومية» ينص على أن دولة إسرائيل هي البيت القومي للشعب اليهودي وان حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على الشعب اليهودي». وفق صيغة القانون تصبح اللغة العبرية هي اللغة الرسمية، وتتغير مكانة اللغة العربية من لغة رسمية، إلى لغة لها مكانتها الخاصة في الدولة. يشكل مشروع القانون الجديد، تتويجاً لجملة سبقته من القوانين التي تعمق الطابع العنصري للدولة الإسرائيلية. عملياً الإجراءات والسياسات العنصرية، كانت سبقت إقرار مثل هذا القانون حيث يخضع الفلسطينيون الذين يشكلون 20% من عدد السكان، لتمييز واضح وصارخ، منذ عقود طويلة الأمر الذي جعل الحركة الوطنية الفلسطينية في أراضي 1948، أن ترفع شعار دولة المساواة، وذلك من واقع الشعور بأن الدولة ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية تتعامل معهم، كأقلية مهمّشة. إذا كانت أراضي الفلسطينيين تخضع للمصادرة، ولا تحظى المدن والقرى الفلسطينية بالموازنات والخطط التطويرية أسوة بالمستوطنات والكيبوتسات، والمدن ذات الأغلبية اليهودية، فإن إقرار هذا القانون سيشكل علامة فارقة بين زمنين. طبقاً للإجراءات المطبقة على الأرض منذ سنوات، فربما لا تختلف هذه الإجراءات عما سبق، لكن كل ما سبق من إجراءات، تعتبر محمية بقانون، وتعكس سياسة رسمية في تعريف الدولة لنفسها، بدون أي خجل أو خوف من أية انتقادات طالما أن الولايات المتحدة تقدم لتلك الدولة كل الدعم اللازم والحماية. على أن قادم السنين، قد يشهد تصعيداً في الإجراءات الرسمية، لكي تتخذ طابعاً سياسياً، ذا طابع عدواني أكثر. المقصود بالبعد السياسي في ممارسة القانون ينطوي على عمليات تضييق وقمع للحركة الوطنية الفلسطينية، ويمكن أن تتصاعد نحو عمليات تهجير قسري للفلسطينيين من قراهم وبلداتهم ومدنهم. تتطلع إسرائيل، لأن تصبح مكانة الفلسطيني في أرضه إلى مكانة مقيم كما هو حال سكان القدس الأصليين من الفلسطينيين، الذين يواجهون منذ عقود سياسة ممنهجة، لكسر الميزان الديمغرافي لمصلحة اليهود، ولأجل تهجيرهم، تتخذ السلطات الإسرائيلية عشرات القرارات والإجراءات. وعمليات هدم البيوت لكي ترغم الفلسطينيين على مغادرة بيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم. إسرائيل التي ترفض تعيين حدودها، ما يعكس أطماعها في الضفة الغربية والقدس، تستكمل بهذا القرار، تعريف نفسها كدولة يهودية عنصرية. ان النص على أن حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على الشعب اليهودي، يعني أنه لا حقوق للأقليات الأخرى بما في ذلك الأقلية الفلسطينية الكبيرة، التي تشكل قائمتها في الكنيست اليوم الكتلة الأكبر على مستوى المعارضة. وانطلاقاً من النص ذاته، فقد تنطوي تفسيراته على أن حق تقرير المصير للشعب اليهودي، لا يمكن أن يكتمل ويتحقق إلاّ بالتخلص من وجود الأقليات الأخرى، والمقصود أولاً الفلسطينيين. أكثر من مرة، ردد وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، ان عملية تبادل الأراضي في حال تم التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين تعني بالنسبة له، تبادلاً جغرافياً وديمغرافياً. يقصد ليبرمان على نحو صريح، انه مقابل تخلي السلطة وموافقتها على ضم الكتل الاستيطانية لإسرائيل، بأن تحصل على مناطق في المثلث والجليل بسكانها البالغ عددهم نحو ثلاثمائة ألف فلسطيني. الفلسطينيون في مناطق 1948، بدؤوا بخوض معركتهم ضد القانون، وهم يبدون شجاعة منقطعة النظير، ومستعدون لبذل التضحيات لإلحاق الهزيمة بهذه السياسة العنصرية الاقتلاعية، لكنهم يحتاجون إلى العون من قبل أهلهم في الأراضي المحتلة، بل ومن كل الشعب الفلسطيني حتى لا يصبح حق العودة، الذي تقول إسرائيل إنه للضفة الغربية والقدس، وكأنه يشمل الفلسطينيين في مناطق عام 1948. إسرائيل تفتح على نفسها جبهة جديدة، ينبغي أن يتوحد الفلسطينيون وأن يتجندوا لخوضها، وعنوانها الرئيس مناهضة العنصرية، التي تتجه نحو أن تكون «جنوب افريقيا» ثانية قبل هزيمة العنصرية فيها. على كل الأحوال، تصر السياسة الإسرائيلية على أن تذهب برجليها إلى الجحيم كما قالت تسيفي ليفني ذات يوم، ذلك أن دولة كهذه، تملك كل مقومات التدمير الذاتي، ذلك أن العالم إن كان اليوم قادراً على تحملها لن يستطيع مواصلة تحمل هذا العبء الثقيل. 

«على كيس السُّبة» أو «هاته نحرث عليه»!

هاكم طرفتان لغويتان: فونيّة (صوتية) وجمالية: للختيارة فرحة أولاد أسرى في سجون إسرائيل، وكذا كان لها في سجون سورية. لمّا زارت أولادها في سجن إسرائيلي، ناداها السجّان «فرخة»، ومن فورها ردّت: «فرخة خلّفت ديوكاً.. ديوكاً يلعنوا اباك».. رحمها الله! فإلى الطرفة الجمالية، من عاشق فلسطين جان جينيه، فقد رأى في شكل حروف اللغة العبرية شبهاً بعدة النجّار والحدّاد المعلقة على الحيط! هل أضيف طرفة ثالثة، وهذه المرة عن الجهل؟ في نفيها لوجود شعب فلسطين، رأت وزيرة الثقافة، ميري ريغف، في خلو اللغة العربية من حرف (P) حجة سفيهة من حججها. تخلو العبرية، ذات الـ22 حرفاً من حرف «الحاء» وغيرهما؛ وتخلو العربية ذات الـ28 حرفاً من حرف (P)، وليس في هذا وذاك حجة، ما دامت اليونان هي «إلاّذا» بلسان أهلها و”GREECE” بلسان اللغات الأوروبية، واليابان هي «نيبّون»، أيضاً، لكن اللسان العربي قادر على لفظ ما لا يوجد في لغة الضاد، بينما اللسان العبري لا ينطق بحروف الحاء، القاف، الضاد، والعين. ما المهم إذا «زقزق» العصفور أو «سقسق»، أو كانت ألمانيا هي «جرمن»! السلطة الانتدابية رتّبت لغات فلسطين الرسمية كالآتي: الإنكليزية، العربية والعبرية، وفي «قانون القومية» الذي قدمه المخابراتي آفي ديختر، إلى لجنة التشريع الحكومية، مقترح لخفض العربية من رسمية إلى محظيّة. هذا ضرب من السخف اللغوي الشوفيني ـ التهويدي، لكن الخطير فيه هو أن من حقّ اليهود، إن شاؤوا، أن يتمتعوا بالسكن بمفردهم في مناطق تخلو من الناطقين بحروف الحاء والقاف والضاد والعين! كنتُ ذات عام في حيفا المختلطة، لما كان رئيس بلديتها الجنرال عميرام متسناع، المؤيد للسلام، وقائد سابق للضفة الغربية، الذي دردش مع صاحبنا نبهان خريشة حول معاني احتفال بلدية حيفا بمصادقات متقاربة زمانياً لأعياد يهودية وفلسطينية، تحت عنوان «عيد الأعياد» (هاغا شل هاغاييم) الذي نظمه «بيت الكرمة ـ بيت ها غيفن». متسناع سأل خريشة: أين تعلمت العبرية؟ أجابه: في سجونكم! كل الفلسطينيين في إسرائيل يتحدثون فيما بينهم بلغتهم الأم، ومع يهود إسرائيل بعبرية طلقة، أكثر من طلاقة معظم اليهود السوفيات مثلاً.. وكذا خريجو سجون إسرائيل، وعمالنا في إسرائيل ومستوطناتها، أيضاً، التي لا يسكن فيها غير الناطقين بالعبرية. سيحال «قانون القومية» إلى الكنيست، ثم إلى محكمة العدل العليا، كما حال سلسلة قوانين عنصرية سنتها الكنيست الحالية بخاصة، لتأكيد أن «اليهودية» تتقدم «الديمقراطية» في تعريف دولة إسرائيل. تكثر إسرائيل من التباهي بأن حال الفلسطينيين فيها أسعد حالاً من إخوانهم في الأرض الفلسطينية المحتلة، وهؤلاء تحت احتلالها أسعد حالاً من إخوانهم في الشتات الفلسطيني العربي. تعرفون أن إسرائيل تشتكي من «الغالبية الآلية» المؤيدة للفلسطينيين في الأمم المتحدة ومنظماتها، لكنها فاخرت بواقعة صوت القاضي العربي جبران، الذي رجّح كفّة الحكم بالسجن على ايهود اولمرت، وكذا ازدياد أعداد الأطباء والمهندسين والأكاديميين الفلسطينيين في إسرائيل، منذ تحسّر اوري لوبراني لأنهم لم يظلوا «حطّابين وسقّائي ماء»! يكاد معسكر السلام في الكنيست يقتصر على نواب القائمة العربية المشتركة ونواب «ميرتس»، ورئيس القائمة العربية أيمن عودة، قال: نحن إسرائيليون بنسبة 100% وكذلك فلسطينيون بنسبة 100%، ولم يقل صهاينة أو عبريون مثلاً. فازت القائمة بـ87% من الأصوات العربية الصالحة، بينما نالت الأحزاب الصهيونية ما نسبته 13%، وشارك في آخر الانتخابات 64,2% من الأصوات العربية، وبينما تتذبذب مقاعد الأحزاب الصهيونية، فإن هناك ثباتاً في عدد مقاعد القائمة، كقوة ثالثة في الكنيست، قابلة للزيادة لا للنقصان. ليس لدى الفلسطينيين أزمة هُويّة قوميّة وانتماء، ولا يميزون بين كونهم عرباً أو فلسطينيين، وإن حاولت إسرائيل تمييزهم: مسلمين، دروزا، مسيحيين، بدوا، أو بين «قوميتي» و»مواطنتي»! في احتفالات إسرائيل بتأسيسها، تصيّدت مشاركة جراح فلسطيني، يشغل رئيس قسم الجراحة في مستشفى هداسا، في إضاءة واحدة من 12 شعلة ترمز إلى أسباط إسرائيل، الأمر الذي أثار جدلاً ونقاشاً، تناوله المحامي جواد بولس في جوانبه الفردية والسياسية والأكاديمية، ودلالاتها، وخلص إلى الحكم: فات د. أحمد عيد أن دولة إسرائيل هي التي لا تريدنا مواطنين كاملي الحقوق وإن اصطادت إسرائيل بعض عصافير تغرد خارج السرب. سبق لقلم أدبي وسياسي وبرلماني، يكتب بالعربية، هو اميل حبيبي، أن قبل منحة جائزة إسرائيل في الأدب، وتسلمها من اسحق شمير.. لكنه أوصى بكتابة عبارة «باقٍ في حيفا» على قبره! لاحظ جواد بولس أن مشاركة البروفيسور العربي في احتفالية 50 عاماً على توحيد القدس (وهو ليس بمقدسي؟) سبقته مشاركة عربي في احتفالية سبقت الـ»البطولة المدنية» وكذا مشاركة امرأة عربية في احتفالية «روّاد إسرائيليون». «إنها حياتك، وأنت حرّ ومسؤول عن خياراتك فيها، لكنه كان خياراً ذا أبعاد عامة وسلبية، وحتى لو لم تع ذلك، ولم تتقصده، فيبقى من المستحيل علينا أن نتفهمك» قال جواد بولس. نعم، حال الانقسام الفلسطيني، وحال الاحتراب العربي والإسلامي، قد يدفع حالات فردية، إلى الانتماء لدولة تصف نفسها يهودية وديمقراطية، لكن في السياق الجمعي العام، فإن الانتماء العام إلى هُويّة وقوميّة فلسطينية وعربية هو الاتجاه الغلاب. في حوار تلفزيوني قديم بين محمد بركة وأفيغدور ليبرمان، طلب الأخير من بركة أن «يذهب إلى مكة» فردّ عليه: «أنا هنا قبلك، وباقٍ بعدك.. اذهب إلى الجحيم». تُذكّرني قصة البروفيسور العربي بمثل شعبي فلسطيني في إسرائيل، حكاه لي النصراوي جورج خليفة، وهو: «هاته نحرث عليه» ومثل فصيح عربي «التلم الأعوج من الثور الكبير». وتُذكّرني مشاركة نواب عرب في الكنيست بمثل شعبي سائر في غوطة دمشق، لمّا تحتاج لعبة أولاد ما إلى كمالة العدد هو «من كيس السُّبة» أي من دون مشاركة عربية في الكنيست تصير هذه لعبة ديمقراطية يهودية لليهود فقط، دون مشاركة السكان الأصلانيين، الذين هم فلسطينيون وعرب. 

هكذا تُعتقل الطفولة - مقال أرشيفي للأسير باسم خندقجي

باسم صالح خندقجي:

"يحدث في تاريخ هذا العالم المُزدحم بالمآسي و الآلام ، أن تُنتَهك المعايير الأخلاقية بإسم أكثر من مبدأ و معنىً مُختلٍ تارة ، و مُحتلٍ تارة أخرى ، و لكن أن يُصبح هذا الإنتهاك الأخلاقي أمراً طبيعياً و مُشرَّعاً في قانونٍ يَحميه ، فإن هذا لم يحدث إلاّ في دهاليز العقلية الامنية المريضة للإحتلال الإسرائيلي الجاثم فوق الأرض الفلسطينية ، حيث المَنهج المُدمّر الذي يُصرّ بفوقية عنصرية متطرفة ، إيذاء و غفناء ملامح الشعب الفلسطيني بكل فئاته وشرائحه ، فمنذ أكثر من ستين عام و الهجمة تتصاعد بشراسة طالت السماء قبل الارض و الشجر و الماء ، فما بالكم حين يصل الأمر حد الطفولة ! .
هنا في فلسطين المحتلة تُعتَقل الطفولة دون أدنى تردد قد يشي بإنسانية عابرة في دم الجنرال ، الذي لا يرحم الاطفال ولا طائراتهم الورقية المُحلّقة في سماء الأحلام .
جيشٌ محتلٌ يتغنى بالقيم الانسانية والديمقراطية ، تدفعه نزعة البقاء والهجوم ، لدرجة أنه يخاف الطفولة الفلسطينية ، ولكي يحمي نفسه منها فإنه يعتقلها ، وكأنه بذلك قد استراح من بلوغ هذه الطفولة سنّ الرشد والوطن كي تقف في وجهه ، ولا يعلم هذا المحتل أنه بفعلته اللا أخلاقية هذه قد دمرّ براءة الأطفال ورؤاهم الى هذه الحياة ، رغم أن " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " ..شكراً لمحمود درويش
إن تناول قضية الأطفال الأسرى ، والتعذيب الذي يتعرضون له في زنازين الظلام الإحتلالية ، ليست هي مجرد معالجة وصفية أو توثيقية تطرح مجموعة من آليات العمل الهادفة الى إبراز ودعم هذه القضية الإنسانية العادلة فقط ، بل المطلوب هو الخوض في جذر هذه القضية من أجل الوصول الى فهم مُعمّق لرؤيا الإحتلال ودوافعه التي أدت به إلى إعتقال الطفولة .
إذ هي نزعةٌ مُختلةٌ يقودها هاجس الأمن المُكلّل بالبقاء في سياق الضحية التاريخية المتأبّدة ، التي تُحلل وتُشّرع لنفسها إنتهاكات كانت قد تعرضت إلييها من قِبل عقلية أخرى ، اعتقدت أنها الأجدر بالتفوق والتقدم والنقاء.
يوجد في سجون الاحتلال الإسرائيلي أساليبٌ عِدّة ومتنوعة يُمارسها المُحققون ضد الأسرى الأطفال ، مثل التعذيب النفسي والتعذيب الجسدي .. وعدم النوم والشَبْح .. والتهديد باعتقال عائلة الأسير من نساء وأطفال ، ضارباً الإحتلال بعرض الحائط الحقوق الإنسانية للطفولة البريئة.
ومن هنا فإن الاستغراب والاستهجان لا يقودان إلى حل هذه القضية ، بل الفهم الواعي لهذا الإنتهاك هو الذي يُفضي الى سلسلةٍ من آليات العمل التي تكفل وضع قضية الأطفال الأسرى – وكل الأسرى الفلسطينيين والعرب داخل سجون الإحتلال الإسرائيلي – على رأس سلم أولويات والمؤسسات القانونية والدولية وحركات التضامن مع الشعب الفلسطيني ، فتشريع الإنتهاك لا يتطلب من المُنتَهَك الحيرة والإستنكار ، بل العمل الجاد على كيفية قراءة هذا الفعل اللا أخلاقي ، ومن ثم كيفية معالجته عبر توثيقه وفضحه بعدة إجراءات وفعاليات قد يكون أهمها هذا العام هو المؤتمر الذي تم عقده في نيسان الماضي في جامعة القدس ، حول الأطفال الاسرى والذي تناول هذه القضية بالدراسات والأحصاءات ، التي أبرزت الأرقام المخيفة التالية :
1- منذ عام 2000تم إعتقال أكثر 7500 طفل على يد الأحتلال الأسرائيلي .
2- في عام 2010 فقط وصلت حالات الإعتقال للإطفال القاصرين أكثر من 1000 حالة أغلبهم من القدس ، بقي منهم حتى الآن في السجون 215
3- أكثر من تسعين بالمئة من هؤلاء الأطفال تعرضوا للعنف الجسدي والنفسي وفي بعض الحالات الجنسي .. من هنا وفي ضوء هذه الفعاليات التي تقوم بها بعض المؤسسات الحكومية ، وعلى رأسها وزارة الأسرى التي تسعى جاهدة الى تدويل قضية الأسرى الأطفال والأسرى كافة ، عبر إطار مُعزز ومُكثّف بلجان إختصاص تنطلق من تحالف وثيق ما بين وزارة الأسرى ونادي الأسير ، ومؤسسات المجتمع المدني ذات الصلة والإختصاص ، والعمل على إلحاق هذه القضية بالحراك الثوري الشبابي العربي عبر جعلها شعاراً جماهيرياً ، يُسهم في فضح ممارسات الإحتلال الاسرائيلي ، وهذا يتحقق من حيث قدرة هذه اللجان على الإستخدام الإعلامي الواعي لمواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت ، والإلمام الإلكتروني بصورة عامة.
إن تداعيات إعتقال الطفولة لها تداعيات خطيرة ومؤلمة ، إذ كيف ستكون البنية العقلية – النفسية لطفلٍ تم تعذيبه جسدياً وجنسياً ؟ هذا ما يجب أن يدركه العالم الذي يتغنى بالعدالة والحرية والإنسانية ؟!
إن أطفال سلوان الذي يتم اعتقالهم الآن ، لا ذنب لهم سوى أنهم دافعوا عن بيوت طفولتهم وحاراتهم الضيقة التي كانت وما تزال ، فُسحتهم الأرحب للعب، ولكن جغرافياً، التلمود المُستندة بالعقلية الأمنية لا ترحم هؤلاء الأطفال حتى وإن كان إسم أحدهم داوود أو إبراهيم .
فلتُقرع جدران الخزان إذن .. فلنصرخ في زمان الصمت رأفةً بأطفال فلسطين الذين يجري الآن تدمير طفولتهم وأحلامهم .."

 

 

الفن والأدب في الإسلام السياسي

هل هناك أدب وفن إسلامي، يقابلهما أدب وفن غير إسلامي (كافر مثلاً)؟ يبدو مثل هذا التصنيف مربكا إلى حد كبير، ففي عصور الخلافة الإسلامية ظهر أدباء وفنانون وفلاسفة غير مسلمين، أو أن نتاجهم لم يكن إسلاميا خالصا.. كما ظهر في الدول غير المسلمة فنانون وأدباء إسلاميون.. ولفك الالتباس ينبغي تعريف مصطلحي «الفن والأدب» من جهة، و»الإسلامي» من جهة ثانية.. وتوضيح الحدود المشتركة بينهما.. أعتقد أن التراث الجمالي العالمي بكل نتاجه الأدبي والفني ملكية شائعة لبني البشر، شأنه شأن الدين والفلسفة والعلوم، وكل ما أنتجه العالم من أدب وفن وثقافة، هو حصيلة التجربة الإنسانية العامة، وليس لجهةٍ أن تدعيه لنفسها.. ورغم أن الحضارة الإسلامية كان لها إسهام واضح ومهم في إنضاج التجربة الإنسانية، إلا أن هذا الإسهام كان مجرد حلقة من سلسلة تاريخية تكاملت فيها تجارب الشعوب وتفاعلت فيها الحضارات، ومن هنا فإن عملية إلباس الأدب والفنون ثوبا إسلاميا ستكون مجرد عمل سياسي يفصح عن نوايا سياسية معينة. على الرغم من اختلاف اللغات والأجناس الفنية والأدبية، إلا أنه لكل جنس منها خصوصيته وخصائصه التي تميزه عن غيره، في التعبير والاستعارة والمجازات، وتجعلها مختلفة عن بعضها في الأدوات والأساليب والعناصر؛ فللشعر مثلاً موسيقاه وإيقاعاته، وللرواية أحداثها وعقدتها وشخصياتها، وللمسرحية أشراطها الحوارية، وللسينما جاذبيتها الدرامية الخاصة، وللرسم أشكاله.. وهكذا، وهذه كلها فضلا عن كونها ميراثا إنسانيا مشتركا، فإنها أيضا لا تقبل التصنيفات الأيديولوجية والسياسية.. ولا تحتمل إضافة عنصر الدين مثلا كشرط لتقييم العمل الأدبي والفني مهنيا. إلا أن جميع المدارس الأدبية والفنية هي في الواقع انعكاس لتيارات فكرية وسياسية معينة، لذلك، حاولت إيضاح جذورها الفكرية والفلسفية في أعمالها، وحوّلت تصوراتها الأيديولوجية إلى وقائع أسقطتها على القصيدة، أو الرواية، أو الفيلم، أو اللوحة.. وجعلت من شخصيات العمل الدرامي والفني نماذج معبرة عن المضامين الفلسفية التي تؤمن بها أو تروج لها. وفي ذات السياق، ظهر ما يمكن تسميته الأدب الإسلامي؛ وهو الأدب الذي مرجعيته القرآن والسنَّة والفِكر الإسلامي ومناهجه وثقافته. وبتحليل سريع لسمات هذا النوع الأدبي سنجده أدبا غائيّاً، هادفاً، ذا رسالة معينة، ملتزما بمرجعيته الدينية، أخلاقيا، وعظيا.. ولأنه خضع تاريخيا لتقييدات الفقهاء، ظل محليا، محدودا، يكاد يكون مقتصرا على الشعر والخطابة والرواية والزخرفة والخط، ولم يبدع في أجناس الأدب والفن الأخرى كالموسيقى، والغناء، والسينما، والرسم، والنحت، والتصوير، والأزياء، والمسرح.. وحتى الشعر والرواية كانت أقرب للنشرات السياسية، ومشبعة بالخطابة والإنشاء والشعارات واللغة المباشرة التي تفتقر للخيال. وفي التاريخ الإسلامي، لم تزدهر الفلسفة والفنون والآداب والعلوم إلا بعد انتقال مركز الدولة الإسلامية إلى الحواضر (الشام، بغداد، القاهرة، الأندلس)، وبعد أن تراجعت قبضة السلطة على المثقفين، وتحديدا في عصر الإبداع والتنوير (العصر الذهبي للحضارة الإسلامية) الذي شهد نوعا من التعددية والتعايش بين المذاهب والتيارات الفكرية، وقبول الآخر.. وهي فترة للأسف قصيرة، سرعان ما انتهت بارتكاسة حضارية، بدأ بعدها عصر الفقهاء، والقمع السلطوي، الذي قُتل وصُلب وطُرد فيه كل مبدع اتهم بالزندقة والكفر، مثل «جعد بن درهم» و»ابن المقفع» و»بشار بن بُرد»، و»غيلان الدمشقي»، و»الحلاج»، و»ابن رشد» و»الطبري» و»الرازي»، و»الراوندي».. وحُرقت فيه كتب إخوان الصفا والمعتزلة والفلاسفة. القرآن قمة البيان والبلاغة، وفيه صورة الأدب الخالدة، والإسلام لم يحرم الآداب والفنون، ولم يحاربهما، بل سعى لتطويرها؛ بيد أن الفقهاء كبّلوها بسلسلة من التحريمات والتقييدات، ما أوجد ما يشبه القطيعة بين الدين والإبداع، وعمّق التناقض بين الأدب والفن من جهة والدين من جهة ثانية، خاصة في ظل الإسلام السياسي. وبمقاربة سريعة بين التصور الأدبي من جانب، والتصور الديني (السياسي) من جانب آخر سنلحظ تجليات هذا التناقض بينهما: الحقيقة في الأدب والفن غير ثابتة وغير واضحة وغير مطلقة، بل هي سؤال واستشراف وتشكيك، أما عند الإسلام السياسي فهي يقينية راسخة، تأتي على شكل جواب وتقرير وتعليم. الأدب خيالي، محلق، حالم، مجنون أحيانا، متحرر من القيود والتابو ومن سطوة الكهنوت، بل يوجه ضرباته إليها وللأعراف السائدة.. ويكون أدبا جميلا وفنا مبدعا كلما كان كذلك.. الأدب يختنق في أية بيئة تتسم بالتشدد والانغلاق، أو تحكمها عقلية النص المقدس. أما عند الإسلام السياسي فالأدب يظل مشدودا للماضي ومربوطا بأوتاد التاريخ، ومثقلاً بالمثيولوجيا، يحيط كل شيء بهالة من القداسة تكبح الخيال.. والإبداع فيه يتوقف عند حدود مقص الرقيب الذي يمارس فعله بعقلية القيِّم.. لذلك، ومع تعاظم قوة الإسلام السياسي تراجع الفن، وصار ينظر للأدب بوصفه تجرؤا على المقدس، والإبداع ضلالة، والعلوم شرك بالله، والجمال فضح للعورات. «سيد قطب»، كان أديبا مرهفا وشفافا قبل أن ينضم للإخوان، الفنانون والفنانات بمجرد تدينهم «وتوبتهم» يعتزلون الفن، كما لو أنهم عاجزون عن المواءمة بين التدين والفن، وفي كثير من الحالات شنَّ الإسلاميون هجوما عنيفا على مثقفين ومبدعين ومفكرين، بتهمة تطاولهم على الدين، أو اقترابهم من المحرم.. وإذا استثنينا نماذج طالبان والقاعدة وداعش والنصرة التي حرمت كل أنواع الفنون والآداب، سنجد أنه حتى الجماعات الموصوفة بالمعتدلة (الإخوان مثلا) إما أنهم قبلوا بالفن والأدب ولكن بشروطهم، أو تعايشوا معه على مضض، لكنهم لم ينتجوا أدبا وفنا خاصا بهم.. ولو أخذنا مثال حماس، سنصل لحقائق صادمة؛ هي أنها لم تنتج أي نوع من الأدب والفنون، بل إنها لم تقدم أي فكر سياسي (بما في ذلك الفكر السياسي الإسلامي). ولو أخذنا الحالة الفلسطينية مثالا آخر، سنصل إلى حقيقة دامغة ومفزعة في آن.. هي أن جميع الأسماء اللامعة في مجالات الفن والأدب بكل أشكالها وتنويعاتها لا ينتمي أيٌ منها لأي تيار من الإسلام السياسي.. بدءاً من بدايات القرن العشرين، وحتى يومنا هذا.. والأمر ينسحب على لبنان وسورية ومصر والعراق والمغرب العربي.. كل من أبدعوا في الشعر والرواية والمسرح والغناء والسينما والتمثيل والنحت والرسم.. جميعهم تقريبا لا ينتمون للإسلام السياسي.. الأدب حتى يكون مبدعا، يشترط الحرية.. وللأسف، نماذج الإسلام السياسي المعاصرة لم تشكل بيئة حاضنة أو مشجعة للأدب والإبداع.. هذا إذا لم تحاربها أصلا.

إسرائيل.. قوانين عنصرية جديدة.. بلا معارضة!!

بعد تأجيل وراء آخر، وفي تطور آخر على صعيد سن قوانين عنصرية إسرائيلية متتالية، تم تمرير مشروع قانون أساس يطلق عليه «قانون الوطن» أو «إسرائيل.. الدولة القومية للشعب اليهودي، وذلك بعد عودة الكنيست من إجازته الدورية وفي مستهل دورته الصيفية، إذ صادقت اللجنة الوزارية لشؤون التشريع بالقراءة التمهيدية وبالإجماع على المشروع الذي تقدم به النائب الليكودي آفي ديختر، إلاّ أن النص الدقيق لهذا المشروع لم يتم الاتفاق عليه، بل على المبادئ العامة: «الحق في تقرير المصير ينحصر في أن دولة إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، لغتها الوحيدة العبرية، اللغة العربية لها مكانة خاصة»، علماً أن اللغة العربية، كانت تعتبر لغة ثانية من الناحية العملية، والآن باتت لغة أجنبية، مع أن أكثر من خُمس سكان الدولة العبرية يتحدثون بها. النصوص المبعثرة للصياغات العديدة لهذا المشروع، اتفقت على أن الصياغة تتضمن تأكيد الطابع اليهودي للدولة العبرية مقارنة بطابعها الديمقراطي، وذلك من خلال الاتفاق على أن تسبق اليهودية كلمة ديمقراطية: دولة يهودية ديمقراطية، ومع أن العديد من المراقبين والمحللين الإسرائيليين، توقفوا عند هذه الصياغة، ليس فقط في تصدير اليهودية قبل الديمقراطية، بل ناقش هؤلاء، مدى صحة مصطلح الديمقراطية بينما المحتوى هو ديني بحت، ويرى هؤلاء عن حق، أن الديمقراطية تنتفي تماماً عندما يغلب عليها الطابع الديني، وفي هذه الحالة، يرى هؤلاء، أن الأمر أقرب إلى العنصرية منه إلى أي محتوى سياسي آخر، خاصة والحديث هنا عن الديمقراطية، غير أن المد العنصري ليس على صعيد حكومات إسرائيل، الأخيرة منها على وجه الخصوص، بل ان هذا المد الرسمي الإسرائيلي للعنصرية، يتوازى مع متغيرات في المجتمع الإسرائيلي، ولعلّ أحد أسباب تلك القوانين العنصرية العديدة في السنوات الأخيرة، والتي تزداد عدداً وعنصرية عاماً بعد عام، تعود مع أسباب أخرى، إلى أن ساسة الدولة العبرية وأحزابها، بما فيها أحزاب المعارضة والتي تصف نفسها باليسارية تحاول في اطار «شعبوي» انتخابي استرضاء الناخب الإسرائيلي الذي باتت عنصريته أحد مكونات شخصيته، من هنا، فإن الأمر يتعدّى المستوى السياسي إلى المستويات الاجتماعية والشعبية في الدولة العبرية. ويمكن العودة في ذلك إلى تفسير الأمين العام لحزب التجمع امطانس شحادة، «لشعبوية» الأحزاب الإسرائيلية بهذا الصدد عندما يقول إن عقلية الجدار الحديدي وعقيدة جابوتنسكي (الأب الروحي لحزب الليكود) هي ما تحكم إسرائيل اليوم، إذ لا توجد هناك معارضة حقيقية للتوجه اليميني الذي يتحكم ويحكم في إسرائيل اليوم، ذلك أن الأحزاب الإسرائيلية باتت مدركة أنه لا سبيل للوصول إلى السلطة إذا لم تخاطب الجمهور الإسرائيلي، إذ لا يجرؤ أي حزب على اقتراح قانون يخالف الإجماع العام لدى الجمهور الإسرائيلي. وفي الوقت الذي يخوض شعبنا الفلسطيني معركة دعم وإسناد أسرانا المضربين عن الطعام في السجون الإسرائيلية بهدف تحسين شروط سجنهم وفقاً للقوانين الدولية التي ضربت فيها دولة الاحتلال عرض الحائط، فإن المشرع الإسرائيلي لم يتجاهل سن قوانين عشرة بشأن الأسرى خلال العامين الماضيين، من بينها قانون «التغذية القسرية»، حيث تهدد الدولة العبرية والإضراب يقترب من أسبوعه الرابع، باللجوء إلى هذا القانون لإجبار الأسرى على إنهاء إضرابهم، وفي حال رفض الأطباء المختصين في إسرائيل القيام بهذا الأمر، فإن الدولة العبرية ربما تستدعي أطباء آخرين، ربما من الهند، للقيام بهذه الجريمة بحق الأسرى والإنسانية بشكل عام. ليس من السهل تمرير مشروع هذا القانون لدى مناقشته في الكنيست، خاصة أن الأمر يتطلب صياغة دقيقة لمضامينه العنصرية، بالنظر إلى الخلافات بين مختلف الأحزاب، بعد شهرين من المنتظر أن تبدأ الكنيست هذه المناقشات والقراءات الثلاث لإقراره بصيغته النهائية، وباستثناء بعض المؤسسات وبعض منظمات المجتمع المدني الإسرائيلية والعربية في الداخل، فليس من المتوقع أن يحظى هذا المشروع، أو القانون برد فعل يتناسب مع حجم ما ينطوي عليه من عنصرية، وحتى بعض هذه المؤسسات والمنظمات، وعندما تعارض بعض بنوده، فإن ذلك يعود إلى خشيتها من المس «بالطابع الديمقراطي» للدولة العبرية أكثر منه حرصاً على المجتمع العربي في إسرائيل، تحاول هذه الجهات تصوير الكيان الإسرائيلي بوصفه واحة للديمقراطية، لكن مع مثل هذه القوانين تكشف زيف هذا الادعاء، وهذا ما تخشاه هذه الجهات. والواقع أن هذا الأمر يفرض على الجمهور العربي ومؤسساته السياسية والاجتماعية في الداخل المحتل القيام بما هو أكثر مما قامت به للحيلولة دون سن هذا القانون؟!

الاشتراك في هذه خدمة RSS