Log in
updated 7:57 AM IDT, Aug 23, 2017

هكذا تعرّف إسرائيل نفسها؟

بينما ينشغل الفلسطينيون كل وفق حساباته، في موضوع المصالحة المتعطلة والإجراءات المبهمة التي يكرر الرئيس محمود عباس أنه سيتخذها، وأنها غير مسبوقة، وايضاً كل من موقعه يتعامل مع معركة الأمعاء الخاوية، ثمة معركة أخرى وطنية بامتياز تستحق من الكل الوطني إيلاءها كثيرا من الاهتمام. تجاهل هذه المعركة، بما تستحق من اهتمام، يقدم مؤشراً آخر على مدى خطورة استمرار الانقسام، وتداعياته، التي جردت المواطن من وطنيته ومن اهتمامه بالحقوق الوطنية، وأشغلته في التفكير والتدبير في شؤون حياته الخاصة المهددة، وايضاً بسبب استمرار الانقسام. هي حال من الاستنزاف المتواصل، للجهد الوطني، ولجملة القيم، الوطنية، لحساب استمرار انقسام، وحصار، يعلن الجميع أنه يخدم المصالح الإسرائيلية وينكر الجميع ما ينطوي عليه ذلك من مصالح لفئات وفصائل على حساب المصالح الوطنية العليا. في إسرائيل جرى يوم أمس، المصادقة بالقراءة التمهيدية الأولى في الكنيست على مشروع «قانون القومية»، والذي تقدمت به اللجنة الوزارية للتشريع، الأمر الذي يعكس موقفاً رسمياً لحكومة اليمين المتطرفة، وليس لعضو كنيست أو كتلة حزبية. «قانون القومية» ينص على أن دولة إسرائيل هي البيت القومي للشعب اليهودي وان حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على الشعب اليهودي». وفق صيغة القانون تصبح اللغة العبرية هي اللغة الرسمية، وتتغير مكانة اللغة العربية من لغة رسمية، إلى لغة لها مكانتها الخاصة في الدولة. يشكل مشروع القانون الجديد، تتويجاً لجملة سبقته من القوانين التي تعمق الطابع العنصري للدولة الإسرائيلية. عملياً الإجراءات والسياسات العنصرية، كانت سبقت إقرار مثل هذا القانون حيث يخضع الفلسطينيون الذين يشكلون 20% من عدد السكان، لتمييز واضح وصارخ، منذ عقود طويلة الأمر الذي جعل الحركة الوطنية الفلسطينية في أراضي 1948، أن ترفع شعار دولة المساواة، وذلك من واقع الشعور بأن الدولة ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية تتعامل معهم، كأقلية مهمّشة. إذا كانت أراضي الفلسطينيين تخضع للمصادرة، ولا تحظى المدن والقرى الفلسطينية بالموازنات والخطط التطويرية أسوة بالمستوطنات والكيبوتسات، والمدن ذات الأغلبية اليهودية، فإن إقرار هذا القانون سيشكل علامة فارقة بين زمنين. طبقاً للإجراءات المطبقة على الأرض منذ سنوات، فربما لا تختلف هذه الإجراءات عما سبق، لكن كل ما سبق من إجراءات، تعتبر محمية بقانون، وتعكس سياسة رسمية في تعريف الدولة لنفسها، بدون أي خجل أو خوف من أية انتقادات طالما أن الولايات المتحدة تقدم لتلك الدولة كل الدعم اللازم والحماية. على أن قادم السنين، قد يشهد تصعيداً في الإجراءات الرسمية، لكي تتخذ طابعاً سياسياً، ذا طابع عدواني أكثر. المقصود بالبعد السياسي في ممارسة القانون ينطوي على عمليات تضييق وقمع للحركة الوطنية الفلسطينية، ويمكن أن تتصاعد نحو عمليات تهجير قسري للفلسطينيين من قراهم وبلداتهم ومدنهم. تتطلع إسرائيل، لأن تصبح مكانة الفلسطيني في أرضه إلى مكانة مقيم كما هو حال سكان القدس الأصليين من الفلسطينيين، الذين يواجهون منذ عقود سياسة ممنهجة، لكسر الميزان الديمغرافي لمصلحة اليهود، ولأجل تهجيرهم، تتخذ السلطات الإسرائيلية عشرات القرارات والإجراءات. وعمليات هدم البيوت لكي ترغم الفلسطينيين على مغادرة بيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم. إسرائيل التي ترفض تعيين حدودها، ما يعكس أطماعها في الضفة الغربية والقدس، تستكمل بهذا القرار، تعريف نفسها كدولة يهودية عنصرية. ان النص على أن حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على الشعب اليهودي، يعني أنه لا حقوق للأقليات الأخرى بما في ذلك الأقلية الفلسطينية الكبيرة، التي تشكل قائمتها في الكنيست اليوم الكتلة الأكبر على مستوى المعارضة. وانطلاقاً من النص ذاته، فقد تنطوي تفسيراته على أن حق تقرير المصير للشعب اليهودي، لا يمكن أن يكتمل ويتحقق إلاّ بالتخلص من وجود الأقليات الأخرى، والمقصود أولاً الفلسطينيين. أكثر من مرة، ردد وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، ان عملية تبادل الأراضي في حال تم التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين تعني بالنسبة له، تبادلاً جغرافياً وديمغرافياً. يقصد ليبرمان على نحو صريح، انه مقابل تخلي السلطة وموافقتها على ضم الكتل الاستيطانية لإسرائيل، بأن تحصل على مناطق في المثلث والجليل بسكانها البالغ عددهم نحو ثلاثمائة ألف فلسطيني. الفلسطينيون في مناطق 1948، بدؤوا بخوض معركتهم ضد القانون، وهم يبدون شجاعة منقطعة النظير، ومستعدون لبذل التضحيات لإلحاق الهزيمة بهذه السياسة العنصرية الاقتلاعية، لكنهم يحتاجون إلى العون من قبل أهلهم في الأراضي المحتلة، بل ومن كل الشعب الفلسطيني حتى لا يصبح حق العودة، الذي تقول إسرائيل إنه للضفة الغربية والقدس، وكأنه يشمل الفلسطينيين في مناطق عام 1948. إسرائيل تفتح على نفسها جبهة جديدة، ينبغي أن يتوحد الفلسطينيون وأن يتجندوا لخوضها، وعنوانها الرئيس مناهضة العنصرية، التي تتجه نحو أن تكون «جنوب افريقيا» ثانية قبل هزيمة العنصرية فيها. على كل الأحوال، تصر السياسة الإسرائيلية على أن تذهب برجليها إلى الجحيم كما قالت تسيفي ليفني ذات يوم، ذلك أن دولة كهذه، تملك كل مقومات التدمير الذاتي، ذلك أن العالم إن كان اليوم قادراً على تحملها لن يستطيع مواصلة تحمل هذا العبء الثقيل. 

ماذا تريد إسرائيل من اغتيال فقهاء؟

بعد أن أعيتها الحيل لاستدراج رد فلسطيني يوفر لها المبرر للهروب من أزماتها نحو حرب جديدة على قطاع غزة، صعدت إسرائيل من عدوانيتها، من خلال إقدامها على اغتيال القائد القسامي الكبير، مازن فقهاء.
الشهيد فقهاء هو أسير محرر، خرج من السجن وأبعد عن مسقط رأسه في طوباس إلى قطاع غزة، من خلال صفقة "وفاء الأحرار" لينضم إلى عشرات الأسرى المحررين الذين لاحقتهم وتصر على ملاحقتهم إسرائيل، بالاعتقال أو بالاغتيال أو بالمطاردة. 
إسرائيل لم تنكر مسؤوليتها عما سمته عملية احترافية، نفذتها أياديها السوداء يوم الجمعة الماضي. 
اسم فقهاء ورد ضمن قائمة نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية لاحقاً لعملية الاغتيال وضمت بالإضافة إليه، رئيس المكتب السياسي لحماس في غزة، يحيى السنوار، وعضو المكتب السياسي للحركة صالح العاروري، والأسير المحرر عبد الرحمن غنيمات، والقيادي القسامي الشهير محمد ضيف.
بهذا الإعلان، تصر إسرائيل على نهجها بملاحقة كافة الأسرى المحررين الذين تدعي بحقهم قوائم من الاتهامات الصعبة، وتصر على أنها ستواصل اعتماد أسلوب الاغتيال. 
هذا الإصرار الإسرائيلي يجيب عن أسئلة تدور في الشارع الغزي حول موعد الحرب القادمة، ذلك أن الناس متيقنون من أن إسرائيل ستعاود شن حروب تدميرية جديدة على القطاع وأن المسألة فقط مسألة وقت.
إسرائيل التي تعرف وتعلن أن سقوط بعض الصواريخ المنفلتة من قطاع غزة على المحيط القريب من القطاع، لا تتحمل المسؤولية عنه حركة حماس أو أي من فصائل المقاومة المعروفة، وان تلك الصواريخ محدودة العدد، هو جزء من المناكفات والتناقضات الداخلية، غير أن الردود الإسرائيلية اتخذت من تلك الصواريخ ذريعة في كل مرة، لشن هجمات كثيرة على أهداف للمقاومة حتى تسعر التناقضات الداخلية من ناحية، وعسى أن يؤدي ذلك إلى استدراج رد من المقاومة يبرر عدوانها.
تعتقد الدوائر الإسرائيلية أن اغتيال قيادي قسامي من وزن فقهاء من شأنه أن يخرج حماس عن هدوئها وصمتها كما حصل حين قامت باغتيال القائد القسامي احمد الجعبري العام 2012 ما أدى إلى عدوان واسع على القطاع. 
ثمة مؤشرات عديدة في الوضع الإسرائيلي، تقدم للحكومة الإسرائيلية الدافع لشن حرب على قطاع غزة، وجعلتها وسائل الإعلام الإسرائيلية تساهم في دق طبول الحرب.
ثمة خلاف بين نتنياهو وحليفه كحلون على خلفية الموقف من هيئة البث العام، ولوائح اتهام وتحقيقات بالفساد ضد رئيس الحكومة، وتناقضات داخل الليكود على خلفية تهديد نتنياهو بالذهاب إلى انتخابات مبكرة، بالإضافة إلى ما تضمنه تقرير مراقب عام الدولة بشأن الحرب على غزة العام 2014 من انتقادات للمستويين السياسي والعسكري.
فوق هذا أشار استطلاع أخير نشرته الصحافة الإسرائيلية إلى أنه لو جرت الانتخابات العامة في هذا الوقت فإن حزب "يش عتيد" سيحظى بثمانية وعشرين مقعداً فيما يحصل الليكود على اربعة وعشرين ما يعني تراجع شعبية حزب نتنياهو. الظروف السياسية العامة، بخصوص المفاوضات، وإمكانية استئنافها بقوة دفع أميركية، والانحياز الواضح لإدارة ترامب لإسرائيل، يوفر لإسرائيل سبباً إضافياً وغطاءً دولياً لعدوانها على القطاع.
ومن دون الفوضى تفصيلاً في المناخ السياسي الإقليمي والدولي، فإن السلوك الإسرائيلي الصريح، يؤكد أن قطاع غزة، مقبل على جولة أخرى من التدمير العدواني. 
حركة حماس وفصائل المقاومة تدرك هذه المعادلة، ولذلك فإنها تمتنع عن وعي لتقديم مثل هذه المبررات التي تنتظرها إسرائيل، بل انها نشرت قوات إضافية في المناطق الحدودية الشرقية والشمالية للقطاع لضبط ومنع عمليات إطلاق الصواريخ التوريطية.
علينا أن نصدق بأن حركة حماس، لن تتهاون إزاء عملية الاغتيال ولكن الرد قد لا يكون قريباً ومن غير المرجح أن يكون من خلال قطاع غزة ذلك أن الحركة تملك إمكانيات كبيرة للثأر من عملية الاغتيال في أكثر من مكان على الأرض الفلسطينية المحتلة، خصوصاً في القدس والضفة الغربية.
غير أن عملية الاغتيال التي تمت على أيدي أفراد، بالتأكيد هم عملاء لإسرائيل، وعلى نحو هادئ، أي من دون اشتباك، واختفاء الفاعلين بسرعة، يضع علامة استفهام حول الإجراءات الأمنية بصفة عامة وإزاء قيادات الحركة بصفة خاصة.
التحقيق في عملية الاغتيال التي لم تتم بالصواريخ، أو بقصف جوي، يشكل جريمة نوعية، تتطلب من أجهزة الأمن، توسيع دائرة البحث عن الفاعلين، لكن عهدنا بقدرة هذه الأجهزة، أنها قادرة على التوصل لمعرفة كل ملابسات الجريمة ومرتكبيها.
حماس اتخذت إجراءً أولياً غير مسبوق، حين أعلنت عن إغلاق المعابر والبحر، أثار العديد من الأسئلة حول أسباب اللجوء إلى مثل هذا الإجراء، الذي يسمح للعائدين إلى القطاع بالمرور ولكنه لا يسمح للمغادرين.
ثمة دافع معنوي، يستهدف الإشارة إلى أن مسألة إغلاق المعابر، لا يمكن أن تظل مسألة تبادر إليها إسرائيل وقتما تشاء سواء لأسباب أمنية أو لأسباب تتصل بأعيادها، وكأن إسرائيل هي فقط التي تتحكم بالأوضاع في القطاع وكأن فتح المعابر مصلحة فلسطينية فقط.
عدا ذلك فإن الإجراء، يبدو طبيعياً، في ضوء طبيعة وأدوات جريمة الاغتيال ما يستدعي اتخاذ ما يمكن من إجراءات لمنع هروب الفاعلين إلى خارج القطاع.
وبالإضافة إلى كل ذلك، فإنه إذا كانت إسرائيل بصدد شن عدوان على قطاع غزة، فإن الموظفين الدوليين، والمواطنين من حملة الجنسيات الأجنبية، لا يستطيعون الخروج وترك سكان القطاع وحدهم يتحملون نتائج الإجرام الإسرائيلي. 
فلقد جرت العادة، أن يخرج الموظفون الدوليون العاملون في القطاع منه قبل أو أثناء العدوان، فضلاً عن أن حملة الجوازات والجنسيات الأجنبية كانوا في كل مرة يحظون بالمساعدة من دولهم، لمغادرة القطاع.
في كل الأحوال فإن الأجواء ساخنة وملبدة بغيوم سوداء، وبأن الحرب قادمة على القطاع، وان المسألة مسألة وقت ليس أكثر، ذلك أن إسرائيل التي تحتاجها، ستخلق الذرائع، وتضخم بعضها بما يوفر لها الفرصة للادعاء أمام المجتمع الإسرائيلي بأن الحكومة ذهبت مضطرة لتلك الحرب.

حين يجدف الفلسطينيون عكس التيار؟

لعل أهم ما يمكن استنتاجه من وصول الشعبوي المتطرف دونالد ترامب إلى البيت الأبيض هو أن العالم مقبل على اضطراب كبير، تاريخي، مركزه منطقة الشرق الأوسط، لكن تداعياته وارتداداته تضرب في كل مكان من المعمورة. في هذه الحال من العبث أن يغرق كل طرف في المنطقة بما في ذلك وأساساً الفلسطينيون في تحليل نتائج وأبعاد السياسة الأميركية على موضوع الحقوق الفلسطينية، وآفاق تطور الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، ذلك أن الحد الأدنى من التوقعات بشأن السياستين الإسرائيلية والأميركية، يفيد بأن الصراع مفتوح على مدى زمني طويل. 
في أحسن أحوالها فإن السياسة الأميركية لا تتجاوز منطق القبول بما يقبل به الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي، لكن ما يقدمه الطرف الإسرائيلي لا يسمح للفلسطينيين القبول بأية تسوية أو اتفاق سلام. 
نتنياهو يصر على الاعتراف بيهودية الدولة، والتسليم بالتنازل عن القدس، وعن حق اللاجئين في العودة، ويصر على مواصلة الاستيطان ومصادرة الأرض، وان صرح كذباً أنه يقبل بدولة فلسطينية، فينبغي أن تكون منقوصة السيادة، ولا سيادة لها على الأمن آخر ما صرح به من استراليا، يضيف إلى ما سبق أنه يريد قوات دولية في قطاع غزة، لضمان أمن إسرائيل، التي لا تقبل طرفاً ثالثاً لضمان أمنها في كل الضفة الغربية.
إذا كان هذا هو الحد الأدنى الذي تقبل به إسرائيل، دون حساب لما تفكر فيه من إمكانية ضم الكتل الاستيطانية، فإن هذا الحد الأدنى، مرفوض كليا من قبل الفلسطينيين، هذه هي قاعدة الحساب الأساسية التي ينبغي أن تستند إليها حسابات الفلسطينيين خلال المرحلة المقبلة. 
المنطقة كلها مرشحة لمزيد من الدمار والاضطراب، ويخطئ من يعتقد أن نهايات الاضطراب، ستتقرر في مخرجات الصراع الدائر في العراق وسورية واليمن وليبيا، فهذه مجرد بدايات لمرحلة طويلة من الاضطراب والدمار. 
حين تقرر الإدارة الأميركية أن إيران هي راعية الارهاب الأخطر، وأنها تتجه نحو تمزيق الاتفاق بين ايران والدول الكبرى، فإن هذه الوجهة تذهب نحو توسيع دائرة الصراع في المنطقة، التي تخضع لصراعات مصالح دولية وإقليمية، من غير المتوقع أن تستقر فيها الأوضاع لعقود قادمة. 
كان موضوع الأولويات، موضوع خلاف بين إسرائيل وإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك اوباما، اما اليوم فهو موضع تطابق بين الإدارتين الإسرائيلية والأميركية، على اعتبار أنهما متفقتان على أن إيران هي الخطر الأساسي، الذي يشكل مواجهة الأولوية بالنسبة للطرفين، وهي أولوية بالنسبة لبعض الدول العربية، أيضاً. 
يؤسس هذا التقرير لمرحلة من التحالفات المكشوفة بين أصحاب هذه الرؤية، ومعها قوى أخرى إقليمية مثل تركيا، بما سيترك آثاراً خطيرة بالغة السلبية على القضية الفلسطينية وأهلها وحقوقهم. 
قد يحقق الفلسطينيون خلال هذه المرحلة بعض المكتسبات من نوع اعتراف عدد آخر من الدول بخاصة الأوروبية، بالدولة الفلسطينية، والأكيد أن تحقق القضية الفلسطينية المزيد من التفهم والتعاطف من قبل المجتمع الدولي، خصوصاً على مستوى الشعوب، وهو أمر لا يمكن التقليل من أهميته على المدى البعيد، ولكن لا مجال لأن يؤدي ذلك الى نجاح رؤية الدولتين، أو إلى رحيل الاحتلال. 
على صعيد الأمم المتحدة، ومع ترامب وإدارته من غير الممكن التفاؤل بإمكانية انتزاع قرارات جديدة لصالح الفلسطينيين وقضيتهم، غير أن المحزن في الأمر أن الفلسطينيين يعرفون مصلحتهم وما يترتب عليهم فعله لكنهم يبتعدون عن ذلك يوماً بعد آخر، أسوأ ما في الخطاب السياسي الفلسطيني هو أن القيادات السياسية التي عليها أن تتخذ القرارات الصعبة، تواصل خطاب مطالبة الآخر في الساحة الفلسطينية بما يحيل الخطاب إلى خطاب تبرئة الذمة، من حق الناس العاديين أن يطالبوا وأن يصلوا، ولكن ليس من حق صاحب القرار أن يطالب لأن عليه أن يأخذ القرار. 
خلال هذه الفترة، وقع حدثان مهمان، أديا إلى تعميق حالة الانقسام، واستبعاد الحلول الوحدوية. لن تسمح حركة حماس بالانخراط في الانتخابات المحلية، ولن تسمح بإجرائها في قطاع غزة، ما يعني أن الأمور إما أن تبقى على ما هي عليه، أو انها ستجرى في الضفة بمعزل عن قطاع غزة. 
لكل منطق وتبريراته، ولكن المواطن ليس مستعداً لتفهم أبعاد وأسباب هذا الخلاف، فالنتيجة واحدة، ذلك أن الانقسام مستمر، ومستمرة آثاره وتداعياته الخطيرة على القضية وعلى عوامل الصمود. 
أما الحدث الآخر فهو انعقاد مؤتمر فلسطينيي الخارج في استنبول، الذي حضره أكثر من ستة آلاف. 
ليست المسألة في عدد الحضور، فهذا رقم متواضع قياساً بعدد الفلسطينيين في الخارج، لكن المؤتمر يذهب إلى المأسسة، ليشكل محطة أخرى في اتجاه مأسسة الانقسام، والنيل من التمثيل الفلسطيني الموحد عبر منظمة التحرير الفلسطينية. 
دون كثير نقاش، فإن انعقاد هذا المؤتمر فضلاً عن أنه يشير إلى قصور منظمة التحرير وأذرعها الأساسية إزاء الاهتمام بفلسطينيي الخارج فإنه في المقابل يضرب في العمق الوحدة الفلسطينية، ويعمق حالة الانقسام والخلاف، خاصة أنه سيستدعي خطوات أخرى أحادية الجانب. 
لا معنى بعد ذلك لكل النواح والعويل حول مصير الوحدة الفلسطينية، ولا معنى لكل الشرح حول مخاطر الانقسام، وتبادل الاتهامات، فالنتيجة أن مرور المزيد من الوقت، يعني المزيد من العقبات والصعوبات أمام إمكانية استعادة الوحدة، وان الفلسطينيين يسيرون بعكس اتجاه مصالحهم ومصالح قضيتهم، وأن خطابهم للآخرين لمواجهة مخاطر المرحلة المقبلة، سيكون ضعيفاً وممجوجاً. 
خطاب الاتهامات المتبادلة، وتبرئة الذمم، ومطالبة الآخر، يقدم المبرر لكل من أراد في المنطقة، الذهاب إلى تعاون أو تحالف مع إسرائيل، ذلك أن كل طرف يفكر في أولويات الخطر الذي عليه مجابهته، بمعزل عن نتائج ذلك على الآخرين، أو على القضية الفلسطينية التي سيتراجع الاهتمام بها، وتتراجع مكانتها حتى لو ظل الفلسطينيون يتحدثون ليل نهار أنها القضية المركزية الأولى للأمة العربية والإسلامية.

لا يفل الحديد إلا الحديد!

قرار الكنيست الإسرائيلي الذي صدر يوم الاثنين، السادس من شباط الجاري والذي يقضي بشرعنة الاستيطان والمستوطنين، يشكل علامة فارقة بين زمنين ومرحلتين. ينطوي القرار الذي صدر على قدرٍ عالٍ من الوضوح إزاء النوايا التوسعية الإسرائيلية، ويضع حداً لمرحلة البحث عن السلام ورؤية الدولتين.
يتحول الحديث عن رؤية الدولتين إلى خطاب تحريضي تعبوي ناعم يسعى إلى تحقيق إنجازات سياسية ومعنوية للفلسطينيين على المستوى الدولي، أو يحيل مسألة تجسيد الدولة الفلسطينية إلى مرحلة لاحقة، دونها صراع مرير.
كانت إسرائيل ستتخذ مثل هذا القرار في كل الأحوال، بغض النظر عن ساكن البيت البيض، إذ لم يكن متوقعاً من إدارة مختلفة حتى لو كانت ديمقراطية، أن تتجاوز حدود النقد والتحذير، وربما الإدانة التي لا ترفع الغطاء الأميركي عن السياسة الإسرائيلية.
كان موقف إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الأكثر وضوحاً والأكثر حسماً بالمعنى النظري إزاء الاستيطان. الفارق شكلي بين الإدارة السابقة والإدارة الحالية، إذ لا معنى جوهريا لما أعلن عنه بنيامين نتنياهو من أنه قام بتنسيق المسألة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب سوى أن هذا الإعلان يفضح جوهر السياسات الأميركية، ويساعد الفلسطينيين على إجراء قراءة أكثر وضوحاً وأكثر واقعية إزاء إمكانية تحقيق السلام، وإزاء مواقف وسياسات أميركية يمكن أن تستدرك الوضع في اتجاه إبقاء الأمل بتحقيق رؤية الدولتين.
إسرائيل تعاملت مع الأراضي المحتلة العام 1967، على أنها أراضٍ متنازع عليها، حين فسرت قرار مجلس الأمن رقم 242، لكنها اليوم تتصرف على أن هذه الأرض، حق يتصرف به الإسرائيليون وحدهم وهم من يقرر هوية الأرض، والدور الذي يترتب على الفلسطينيين القيام به.
وبإصدار مثل هذا التشريع وبهذه السرعة خلال جلسة واحدة للكنيست، فإن إسرائيل تتواصل مع طبيعتها كدولة مارقة تتحدى القانون الدولي، وتتحدى إرادة المجتمع الدولي، ولا تتوقف عن توجيه الإهانات حتى لأقرب حلفائها، الذين حملوا ونفذوا وحموا مشروعها الاستعماري.
يصلح هذا القانون لأن يكون عنوان المرحلة المقبلة في العلاقة بين الفلسطينيين وحقوقهم وبين دولة إسرائيل التي تواصل التقدم نحو تعريف نفسها كدولة عنصرية، احتلالية، استعمارية، لا علاقة لها من قريب أو بعيد بقيم الديمقراطية.
العالم كله أدان ويدين الاستيطان، وقرار الكنيست، ما عدا الولايات المتحدة الأميركية، لكن إسرائيل لا تعير لذلك أي اهتمام. ربما لم تتم بعد ترجمة قرار مجلس الأمن رقم 2334، إلى بقية اللغات العالمية، لكن إسرائيل وإدارة ترامب تنفذان تهديداتهما بنسف القرار الأممي.
أيهما أهم فعلياً قرار مجلس الأمن 2334، الذي رغم أهميته سيظل قراراً نظرياً، حامياً لحقوق تاريخية، أم قرار الكنيست المدعوم كلياً من الإدارة الأميركية؟ لن يتمرد العالم، ولن تخرج الملايين في شوارع العواصم العربية، أو غير العربية، احتجاجاً على قرار الكنيست، أو لحماية الشرعية الدولية، وسيمضي زعماء العالم الحر وغير الحر، وهم يتحسسون اللطمة التي تلقوها على وجناتهم.
يلفت النظر على نحو جدي ردود الأفعال الإسرائيلية على قرار الكنيست. لعل الموقف الذي عبر عنه زعيم التحالف الصهيوني هرتسوغ كان الأكثر قوة ووضوحاً، حيث يوصف وضع إسرائيل ومستقبلها في ضوء هذا القرار كدولة عنصرية غير ديمقراطية.
القرار عملياً يقسم المجتمع الإسرائيلي إلى نظامين، نظام هيمنة دولة الاستيطان وهو النظام المسيطر، ونظام تقوية دولة إسرائيل التي تسعى لرسم حدودها مع الفلسطينيين مع جرعة من الطمع إزاء بعض القضايا الخاصة بالأمن، والأرض والقدس.
النائب العام الإسرائيلي سجل اعتراضه على القرار، والمحكمة العليا الإسرائيلية قد تتخذ قراراً باعتبار قرار الكنيست غير دستوري وغير قانوني، لكن هذا من شأنه أن يؤجج التناقضات الداخلية، ويعطي للمعارضة سلاحاً جديداً، في مواجهة تغول اليمين المتطرف، غير أن الأمور لن تتغير.
بإمكان التحالف اليميني في الحكومة أن يجري تغييرات واسعة مثلما فعل ترامب، لإقصاء المعارضين، وربما إذا استفحلت الأزمة، تلجأ إسرائيل إلى خيارات الهروب من خلال تفجير الأوضاع مع الفلسطينيين أو على الجبهة الشمالية.
وزير البناء الإسرائيلي أعلن بوضوح شديد أن الحرب على قطاع غزة مقبلة لا محالة في ربيع هذا العام. منذ وقت طويل والحديث في إسرائيل يدور حول أن الحرب على غزة مسألة وقت ليس أكثر.
اليوم، إسرائيل مدعومة ومحمية من قبل الولايات المتحدة، كما لم يحصل من قبل واليوم، يتعرض نتنياهو للتحقيق بشبهة الفساد، واليوم، تشهد الساحة الداخلية الإسرائيلية توتراً وتناقضات تتزايد حدتها بين المعارضة والحكومة وبين الحكومة والفلسطينيين من مواطني دولة إسرائيل.
اليوم، تنظر إسرائيل بغضب إلى تحسن العلاقات بين مصر وحركة حماس، وتنشيط العلاقات التجارية بين مصر وغزة، واليوم، تتصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة. ثمة أسباب ودوافع كثيرة ترجح أن تقوم إسرائيل بحرب أخرى على قطاع غزة.
القرار الإسرائيلي ينهي مرحلة خطاب نزع الذرائع، فإن كان لهذا الخطاب أن يستمر فلأجل التغطية على عملية إعادة بناء القوة الفلسطينية، ولحث الكثير من الدول خصوصاً التي حضرت مؤتمر باريس، لأن تتقدم دون تأخير نحو اتخاذ قرار الاعتراف بدولة فلسطين.
هذا هو الحد الأدنى المطلوب من الدول التي باتت تدرك أن إسرائيل لا تسعى وراء السلام، وإنهاء المسؤولية الحصرية عن اندلاع الصراع على نحو واسع في المنطقة.
الاعتراف بدولة فلسطين هو الحد الأدنى للرد على اللطمات التي توجهها إسرائيل تباعاً لزعماء العالم. ومرةً أخرى ما لم يرتب الفلسطينيون أوضاعهم الذاتية، ويستعيدوا وحدتهم وقوتهم فإن العالم الخارجي بما في ذلك العربي لن يكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين حرصاً على حقوقهم.
وفي هذا الوقت بالذات يصبح المطلوب من الفلسطينيين كأولوية الاتفاق على كيفية التصدي للتحدي الإسرائيلي، حتى لا يجدوا أنفسهم أمام ردود متضاربة، وتعطي لإسرائيل ذرائع لارتكاب المزيد من جرائم الحرب والمزيد من التغول على حقوق الفلسطينيين.

من ينتظر يرَ

من غير الممكن وربما ليس ضرورياً الاستعجال في التوصل إلى استنتاجات راسخة يمكن البناء عليها بثقة إزاء السياسات الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب وإزاء مختلف القضايا والملفات. من موقعها فإن الولايات المتحدة تجد نفسها دائماً منخرطة في كل الملفات والقضايا الساخنة والباردة التي تشهدها الكرة الأرضية، فهي تتصرف وكأنها حكومة العالم، وأن مصالحها تغطي أربع أنحاء العالم.
غير أن البدايات وطريقة التعامل مع بعض الملفات، وحتى اللغة التي يستخدمها الرئيس ترامب، تشير إلى قدر من العنجهية والتسرع وقلة الاحترام. في أنحاء العالم ينظر الكثيرون للقرار الذي وقعه ترامب بشأن الهجرة على أنه ينطوي على عنصرية واضحة تخالف ليس فقط طبيعة النظام الديمقراطي وإنما تضرب أسس بناء وتكوين الولايات المتحدة.
تاريخ تشكل المجتمع الأميركي بعد الحرب الأهلية، واستئثار المهاجرين على حساب السكان الأصليين من الهنود الحمر، ثم هجرة الكثير من الأعراق والجنسيات من مختلف أنحاء العالم، إلى بلد الفرص، جعل الولايات المتحدة مجتمعاً شديد التنوع والثقافات والحضارات، والأديان والأصول العرقية.
هذا التنوع ساهم إلى حد كبير في تطور المجتمع الأميركي، خصوصاً وأن النظام الديمقراطي نجح في استيعاب هذا الموزاييك، وحوله إلى طاقة هائلة تدفع نحو المزيد من التطور إلى الحد الذي جعل الولايات المتحدة دولة عظمى.
من لا يفهم هذه الحقيقة، ويسعى وراء سياسات وإجراءات وتشريعات، من النوع الذي قرره ترامب، من شأنه أن يضرب في الصميم هذه الخاصية الحيوية، وأن يغذي كل أسباب الصراع والخلاف العنصري داخل المجتمع الأميركي.
يسير التشريع الرئاسي الأميركي في اتجاه مخالف لسيرورة التاريخ الأميركي، ويشكل مساساً خطيراً بعوامل وديناميات تطور المجتمع الأميركي. وفي الجوهر أيضاً فإن استهداف الإسلام والمسلمين والدول الإسلامية، ينطوي على قدر عالٍ من الحماقة، لكونه يؤسس لصراعات وحروب في غير الوجهة الحقيقة التي تتصل بالأزمات والملفات التي تشكل خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة وعلى شعوب الأرض.
مباشرةً كان لقرار ترامب تأثير على شركات الطيران، حيث إنه أثر على حوالى مئة ألف مسافر، وكان في حال استمرار تنفيذه أن يؤثر على المزيد من المسافرين. لا يليق برئيس دولة عظمى أو حتى دولة متواضعة أن يصف قرار قاض فدرالي بأنه سخيف، وأن يطلق تهديداً بأنه سيطيح به.
السلوك ليس معزولاً، ذلك أن ترامب يتابع أسلوبه الشعبوي الغبي، فقد سبق ذلك وبجرة قلم أن أقال وزيرة العدل بالوكالة لأنها لم تدافع عن قراره، وهذا يعني أن الرجل المغرور يتمتع بعقلية إقصائية شاملة.
حين يقصي كل السفراء والقناصل الأميركيين في عهد أوباما، ويقصي كل من عمل في إدارة الرئيس السابق، ويقصي شعوباً ودولاً، وديانات، ويقصي أيضاً مسؤولاً أو قاضياً يخالفه الرأي، فإن ذلك مؤشر عملي ملموس على أن الولايات المتحدة مقبلة على مرحلة من الارتباك والجنون.
لا تترك إدارة ترامب فرصة للتفكير قبل التنفيذ، فهو بدأ بعملية إلغاء مرسوم "أوباما كير"، وركب أعلى الأمواج في التعبير عن رفضه للتجربة الإيرانية الصاروخية. لكأنه كان ينتظر فرصة أو ذريعة لكي يمزق الاتفاق بين إيران والستة الكبار، وينقل العلاقات الدولية بين إيران والآخرين إلى مربع الصراع الساخن، دون حوار مع الشركاء.
تصريحات نارية متلاحقة مشفوعة بتهديدات وإجراءات عقابية، صدرت عن أكثر من مسؤول في إدارة ترامب، كلها تشير إلى أن ملف العلاقات الأميركية الإيرانية يذهب نحو التوتر وربما تفجير الصراع على نحو واسع في منطقة الشرق الأوسط.
من الواضح أنه، أي الرئيس ترامب، الذي اختار طاقمه من نفس فئة الجينات الشعبوية المتطرفة، لا ينتظر تحريضاً من إسرائيل، وبعض الدول التي عبّرت عن رفضها للاتفاق بين إيران والستة الكبار، ولكن ليس صدفةً أن تتواصل الاحتجاجات الشعبية في العديد من دول العالم وفي الولايات المتحدة ذاتها، رغم مرور ثلاثة أسابيع فقط على تنصيب الرئيس ترامب.
لعل أهم هذه الاحتجاجات وأكبرها بعد الولايات المتحدة، ما تشهده العاصمة البريطانية، في الدولة الأكثر قرباً وأصدق تحالف مع أميركا.
شبكة "سي أن أن" الأميركية أجرت استطلاعاً للرأي، أظهر تراجع شعبية ترامب إلى 44% في أميركا، هذا قبل أن يقلع الرجل في تنفيذ رؤاه وسياساته، أما لو بادرت أي مؤسسة لإجراء استفتاء دولي فإن النتيجة ستكون أكثر سلبية بالتأكيد.
لا بد وأن نتنياهو وأركان حكومته من المتطرفين يرقصون طرباً لما يصدر عن البيت الأبيض، فثمة تماثل واسع بين الإدارتين. هذه الإشارات الأولية التي تصدر عن إدارة حكومة العالم، تشي بأن المجتمع الدولي مقبل على الكثير من الانفجارات والصراعات، التي سيكون لها تأثيرات واسعة وعميقة على طبيعة النظام الدولي الذي يتشكل، والذي سيطيح بالهيمنة الأميركية على هذا النظام، ويدفع الولايات المتحدة إلى الخلف.
أين كان لترامب تصريحات أو مواقف إيجابية، أدخلت الطمأنينة إلى نفس هذه الدولة أو تلك؟ تهديدات لإيران، وأخرى للصين، وثالثة للمكسيك ودول أميركا اللاتينية، ورابعة لدول الخليج، وخامسة للحلفاء الأوروبيين، الذين بدؤوا يناقشون بقلق وبعمق كيفية التعامل مع السياسة الأميركية الجديدة.
هذه السياسة لا تبقي للولايات المتحدة حلفاء سوى إسرائيل، الأمر الذي يجرهما سويةً نحو المزيد من العزلة والمزيد من المغامرات المكلفة ومن ينتظر ير. ليس على الفلسطينيين أن يحزنوا على تجاهل إدارة ترامب الاتصال والتواصل معهم، أو أن تصدر عن هذه الإدارة مواقف تصب كلياً في صالح إسرائيل، فهم ليسوا الوحيدين المتضررين من سياسة هذه الإدارة، لكن عليهم ألا يضيعوا المزيد من الوقت حتى يرتبوا أنفسهم ويستعيدوا وحدتهم، ويسترجعوا قوتهم. 

انقلاب أميركي على العالم

لم يكن ليشكل فرقاً جوهرياً ما إذا كانت منظمة التحرير أو السلطة قد تلقت دعوةً رسمية لحضور حفل انتقال السلطة من الرئيس السابق الديمقراطي أوباما إلى الرئيس الجديد الجمهوري ترامب، فإذا كان الامتناع عن دعوة المنظمة أو السلطة مؤشراً سلبياً شريراً، فإن المؤشرات السلبية والشريرة قد سبقت حفل التنصيب.
ما قيل إنها الصدمة الأولى لإسرائيل، بسبب التحذير الذي تلقته من إدارة ترامب إزاء احتمال قيام إسرائيل بضم مستوطنة "معاليه أدوميم"، لا يبدد المخاوف الفلسطينية، لكنه يحدث قلقاً مؤقتاً لدى حكومة المستوطنين.
تبدو المكافأة الأولى لإسرائيل، بعد التصريحات المتواترة بشأن نقل السفارة الأميركية من "تل أبيب" إلى القدس، في تعيين الأميركي اليهودي جارد كوشنير كمبعوث للإدارة الأميركية لعملية السلام، وتعيين سفير يهودي لأميركا في إسرائيل.
على أن تداعيات السياسة التي يتحدث عنها ترامب ومفرداتها تتواصل مع ما كان ردده خلال الحملة الانتخابية وما بعدها، هذه التداعيات لا تطال الفلسطينيين وحقوقهم، وكل ملف الصراع الفلسطيني والعربي- الإسرائيلي فقط، فهي تهز كل أركان الكرة الأرضية.
ترامب يقدم مراجعةً نقديةً مجنونة لتاريخ السياسة الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، ويبشر بعصر جديد من حيث الأولويات والأهم من حيث القواعد التي تنبني عليها المصالح والسياسات الخارجية. حين يشدد ترامب على أنه سيعتمد سياسة تقوم على مبدأ "أميركا أولاً"، فهو لا يخترع نظريات أو شعارات جديدة، فلقد كانت أميركا أولاً بالنسبة لكل الرؤساء الذين سبقوه، لكن المسألة تعتمد على رؤى وسياسات مختلفة لتحقيق مبدأ أميركا أولاً، رغم أنها حتى اليوم أولاً، بمعنى أنها تتربع على عرش علاقات القوة الدولية.
من حق الرئيس الأميركي أن يبحث ويتوخى مصلحة شعبه أولاً، كما هو حق بل واجب لأي نظام حكم على وجه الكرة الأرضية لأن يفعل الشيء ذاته لبلاده قدر المستطاع. أميركا تتحمل أعباء ضخمة للمحافظة على دورها القيادي في العالم، فهي صاحبة المساهمة المالية الأكبر في الأمم المتحدة، وهي صاحبة المساهمة الأكبر في حلف الناتو، وهي من تتحمل تكاليف باهظة من وراء الحروب التي تخوضها لضمان هيمنتها واستقرار وتطوير مصالحها، وهي أيضاً من تتحمل تكاليف باهظة لحماية أمن حلفائها، سواء الأوروبيون أو في مناطق كثيرة أخرى من العالم.
فصحيح أن هذه التكاليف الباهظة التي تكبدتها وتتكبدها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية كانت سترفع كثيراً مستوى رفاهية المجتمع الأميركي، لكن هل كانت الولايات المتحدة ستحظى بالقوة الشاملة والمكانة والتأثير الذي تحظى به اليوم، لو أنها انكفأت على نفسها؟
جدل التركيز على الداخل أو الخارج لم يغب يوماً عن دوائر التفكير الإستراتيجي الأميركية المناط بها صناعة القرار في مختلف الإدارات السابقة، لكن ما يطرحه ترامب يذهب إلى ما يمكن اعتباره انقلاباً أو ثورةً أو تمرداً على كل طرق التفكير السابقة.
ترامب يدعو إلى إعادة صياغة الأولويات وإلى إعادة صياغة المفاهيم وعلاقات القوة، ما من شأنه أن يؤشر إلى تغييرات جذرية في النظام العالمي وفي مبادئ صياغة التحالفات، وما قد يؤدي إلى فوضى عارمة وتنافس شديد بين القوى الفاعلة دولياً.
ما يقدمه ترامب يؤشر إلى إمكانية إعادة النظر في توزيع العمل على المستوى الدولي، الأمر الذي يحدث تحولاً في الآليات التي أنتجتها العولمة، بحيث يعيد تركيز عمليات الإنتاج إلى الولايات المتحدة، بعد أن كانت الشركات العابرة للقارات قد أرست توزيعاً مختلفاً للعمل، سمح لعديد الدول أن تشهد تطوراً كبيراً في صناعاتها ومنتجاتها.
ثمة ضحايا كثر إذا ما قيض للرئيس الأميركي أن ينفذ ما شدد عليه في خطاب التنصيب، وهو أمر مرجح نظراً لضعف المعارضة الديمقراطية في مجلسي الشيوخ والنواب. أوروبا الموحدة ودولها منفردةً سيكون عليها أن تدفع الثمن وأن تتحمل تكاليف حماية أمنها ومساهمتها في صيانة الأمن العالمي.
في هذه الحالة سيكون على دول كألمانيا واليابان اللتين كان ممنوعاً عليهما منذ الحرب العالمية الثانية أن تطورا قدراتهما العسكرية، بما في ذلك قدرات نووية، سيكون على مثل هذه الدول أن تخصص ميزانيات ضخمة على حساب الإنتاج المدني لضمان أمنها في غياب الضامن الأميركي.
ومثل هذه الدول دول أخرى من بينها دول الخليج العربي، التي عليها كما يقول ترامب أن تدفع ثمن الحماية الأميركية لأمنها، ما سيؤثر على سياساتها وقدراتها وموازناتها وبالتالي مستويات تطورها.
التيار الإسلامي كله بكل عناوينه وأسمائه وأصوله وتفرعاته من المتوقع أن يكون أحد الضحايا، فالحديث عن أولوية خوض معركة حاسمة ضد الإرهاب، غير معزولة عن رؤيته للإسلام والمسلمين وحركاتهم السياسية.
من الواضح أن من يهزأ ويسخر من تاريخ أكثر من سبعة عشر رئيساً وإدارة أميركية لن يتساهل مع دول أخرى سيكون عليها أن تقرر دفع الثمن في الحالتين، حالة الاقتراب الشديد من السياسة الأميركية أو الابتعاد الواسع عنها.
في حالة الاقتراب الشديد، على هذه الدول أن ترضى بعلاقة السيد بالعبد، بمعنى التبعية المطلقة حتى لو كانت هذه التبعية وهي بالتأكيد ستكون على حساب شعوب ومصالح هذه الدولة. أما الابتعاد عنها فإنه يشكل مبرراً للولايات المتحدة لكي تبطش بكل من تعتقد أنه يعاديها.
الأمم المتحدة قد تكون إحدى ضحايا التوجه الأميركي الجديد، ذلك أن إدارة ترامب لن تتورع عن استخدام حصتها في ميزانية هذه المؤسسة من أجل إخضاعها لسياساتها، خصوصاً وأن الدول الأخرى التي تملك القدرة على التعويض ستكون مضطرة لتوظف كل إمكانياتها في حماية أمنها القومي.
السياسة التي أفصح عنها ترامب تشبه إلى حد كبير سياسة الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، التي تعتمد بدورها الحمائية والفوقية وأنانية المصالح واستخدام القوة المتطرفة لصالحها. كما أن ما تلفظ به ترامب حول النساء والهجرة والمسلمين يشي بوجود نظرة عنصرية وإقصائية للآخر.
هذا يعني أن الولايات المتحدة تذهب أكثر فأكثر نحو العزلة الدولية، شأنها في ذلك شان إسرائيل، ما يعني أن هذا التشابه سيجعل الدولتين أقرب إلى بعضهما البعض من أي وقت مضى. ربما أكون قد أوغلت في تقديم تحليل متشائم للانقلاب الأميركي، وربما لم أنجح في تقديم تحليل أوسع وأعمق، لكن الحراك الشعبي الذي انطلق في القارات الخمس في الوقت الذي كان فيه ترامب يلقي خطابه المرتجل، يشكل دليلاً على صحة هذا التحليل.
قبل أن تندلع الاحتجاجات في عديد العواصم، لم تكن الاحتجاجات في الداخل الأميركي قد توقفت، بما في ذلك لحظة انتقال السلطة، حيث خرج مئات الآلاف من الأميركيين ولذلك فإن مشهد المواجهة العنيفة بين الشرطة والمحتجين قد يتكرر كثيراً في أميركا.
كان حري بالحركات الشعبية والأحزاب العربية أن تخرج إلى الشوارع تنديداً واستنكاراً وربما كان على الحكومات العربية أن تفعل ذلك، أو أن تعبر بصريح العبارة عن استنكارها، لكن العرب تعودوا على الخضوع، وتخلفوا عن فهم ومجاراة التطورات الدولية الصاخبة. ما زال العرب يراهنون على أن يبدي ترامب وإدارته بعض الشفقة بحالهم، لكنهم لن يحصدوا إلا الخيبة وطعم العلقم.
بالنسبة للفلسطينيين لا أرى فرقاً كبيراً بين ما تفوه به ترامب وبين سياسات سابقيه، ففي الحالتين لم تعد ثمة إمكانية لعملية سلام منصفة تؤدي إلى تحقيق رؤية الدولتين. لو كان نجح السيناتور المخضرم جورج ميتشل، لكان يمكن المراهنة على كوشنير المبعوث الأميركي صاحب الستة وثلاثين عاماً.
لا مجال اليوم لمواصلة سياسة سحب الذرائع أو سياسة إنقاذ ما يمكن إنقاذه وفي كل الأحوال فإن الصراع ينفتح على أوسع أبوابه ويعود إلى أصله بما أنه صراع وجود وليس صراع حدود، حتى لو كان المخطط الإسرائيلي المدعوم أميركياً يستهدف إقامة الدولة في غزة، فإن ذلك لن يغير من واقع الحال كثيراً.
هنا يترتب التحذير من أن دولة غزة بإدارة "حماس" لم تعد ممكنة إطلاقاً في ضوء مؤشرات السياسة الأميركية- الإسرائيلية، وذلك عامل يضاف إلى عوامل كثيرة تجعل موضوع المصالحة واستعادة الوحدة أمراً يستحق التضحية والتضحية الكبيرة والنوعية إن تطلب الأمر ذلك.
الخيارات بالنسبة للكل الفلسطيني أصبحت ضيقة جداً جداً ومكلفة جداً جداً، وخيار المصالحة واستعادة الوحدة هو الخيار الأقل تكلفة والأكثر ضماناً لكل أطياف الحركة الوطنية والإسلامية الفلسطينية.

المجلس الوطني.. بين المعلوم والمجهول

المتابع عن قرب للشأن السياسي الفلسطيني، بإمكانه أن يتنبأ إن كان انعقاد اللجنة التحضيرية التي دعا إليها رئيس المجلس الوطني سليم الزعنون، سيؤدي إلى تحسين المناخ الوطني الداخلي، وخطوة نحو البدء بتطبيق المصالحة، أم إنه سيشكل عقبة كبيرة تدفع الانقسام نحو متاهات جديدة.
لم يكن أمام حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي، سوى القبول بالمشاركة في اجتماعات اللجنة التحضيرية، خاصة بعد أن تم تجاوز عقدة المكان، حيث تشكل بيروت حاضنة مقبولة للجميع، هذا بالإضافة إلى أن الحركتين تعوزهما المبررات المنطقية المقبولة، في حال قررتا رفض المشاركة؛ حيث سيبدو ذلك على أنه مؤشر غير إيجابي إزاء الحاجة لدفع المصالحة الوطنية.
على أن المشاركة في اجتماعات بيروت لا تحمل دلالة استعداد الحركتين لأن تواصلا المشاركة في كل الخطوات السابقة التي تبدو على أنها تلبي الحاجة لإعادة بناء المؤسسة الوطنية الفلسطينية، ابتداءً من أهمها وهي منظمة التحرير الفلسطينية، ولم شمل التمثيل الفلسطيني.
كان من الفروض أن يكون قد بدأ حوار وطني جامع قبل موعد انعقاد اللجنة التحضيرية للاتفاق على الخطوات اللاحقة، والأهداف المرجوة، لكن من بيده القرار ينطلق من دوافع أخرى، ليس من بينها التخلي عن التحكم في القرار الفلسطيني، أو التوصل إلى شراكة حقيقية من شأنها أن تشكل تحولاً تاريخياً على وفي جسم المؤسسة الوطنية.
قيل إن حركة "حماس" تشترط أو تأمل في أن تحصل على نسبة 40% من عضوية المجلس الوطني، هو شرط قديم، طرحته الحركة في ثمانينيات القرن الماضي حين لم تكن تملك الوزن الجماهيري والسياسي الذي تملكه الآن.
من حق "حماس" أن تفكر بهذه الطريقة كما من حق أي فصيل فلسطيني أن يحترم ويقيم وزنه، طالما أنه لا مجال لسبب أو آخر الاستناد إلى نتائج صندوق الاقتراع. عند الدخول في تفاصيل تشكيلة المجلس الوطني، تصطدم مطالبة "حماس" بجواب يقول: إن حركة "فتح" لا تملك هذه النسبة في تراكيب المجالس الوطنية المتعاقبة.
إذا كانت "حماس" تطالب بنسبة 40% ومثلها "فتح"، والبقية للفصائل، فإن المجلس الوطني لن يكون وطنياً، حيث سيتم إبعاد المستقلين، وممثلي النقابات والمجتمع المدني ومؤسسات الشعب الفلسطيني. وأيضاً كانت "فتح" صاحبة الأغلبية الشعبية والمطلقة في عضوية المجالس الوطنية، وحتى في المجلس المركزي واللجنة التنفيذية، لكن مصدر هذه الأغلبية لم يكن ناجماً عن النسبة الرسمية لحركة "فتح" كأكبر الفصائل الفلسطينية، سواء في زمن غابر أو في هذا الزمان. رسمياً "فتح" ممثلة في اللجنة التنفيذية للمنظمة بعضوين، بالإضافة إلى رئيسها، لكن هذا التمثيل الرسمي المحدود، لم يكن يوماً ليمنعها من أن تكون صاحبة القرار نظراً لتركيبة اللجنة التنفيذية التي تتشكل من ممثلي الفصائل والمستقلين.
هكذا ستبدو مطالبة "حماس"، على أنها نسف كامل لتركيبة المنظمة وهو أمر غير مقبول البتة من قبل الفصائل الأخرى، ما يضع الحركة أمام خيارين صعبين، فهي إما تقبل الالتحاق والانخراط في مؤسسات المنظمة من موقع ثانوي حتى لو كان بعدد من الممثلين أكثر من بقية الفصائل ما عدا "فتح"، وإما أن ترفض فتكون سبباً في تعطيل مسيرة إعادة بناء الوضع الفلسطيني.
هذه الحسبة غير موجودة بالنسبة لحركة الجهاد الإسلامي التي لا ترى أن ثمة ما يميزها على نحو واضح عن فصائل أخرى، حتى ترفع مطالبها إلى الحد الأدنى الذي يدفعها إلى مأزق الخيارات المغلقة.
في الواقع ليست حركة "حماس" وحدها التي ستواجه مأزق الخيارات المغلقة، فحين يتقرر عقد جلسة المجلس الوطني في رام الله، وعبر تقنية الفيديو كونفرنس، لمن لا يستطيعون الحضور وهم كثر، فإن الفصائل التي أعلنت رفضها للمكان ستجد نفسها في مأزق، ذلك أنها ستجد نفسها أمام قرار: إما المقاطعة وإما المسايرة والقبول بما سيأتي لاحقاً من خطوات.
ثمة مغامرة كبيرة في أن تشترط فصائل في المنظمة تغيير مكان انعقاد المجلس لضمان مشاركتها، فيما هي تعرف أنه لا مجال لدى صاحب القرار لأن يقبل بشرط تغيير المكان، ولكل أسبابه. السؤال المؤجل الذي ينتظر هذه الفصائل هو: هل ستنفض يدها واعترافها بمنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، في حال لم تعجبها الخطوات اللاحقة أم أنها ستقبل بتهميش نفسها.
من الطبيعي أن هذه الدورة للمجلس الوطني ستنعقد بعضويته الحالية التي تتجاوز السبعمائة عضو، بعد أن تم إغراق المجلس بعضويات كثيرة في العام 1996، على خلفية استغلال المجلس كفرصة للحصول على الرقم الوطني.
مع هذه العضوية الواسعة جداً، سيكون من الصعب إدارة حوار ونقاش حول جدول أعمال كامل، والأرجح أن النوايا لا تتجه لأن تكون دورة المجلس الذي ينعقد بعد ثمانية وعشرين عاماً، كما كانت الدورات السابقة. 
صحيح أن المجلس عقد دورة بغزة في العام 1996، لكنها كانت مخصصة للنظر في تغيير بعض بنود الميثاق الوطني كتلبية لأحد اشتراطات "أوسلو"، ومن قبل لتلبية اشتراطات أميركية أعقبت انعقاد دورة المجلس في الجزائر في العام 1988.
باختصار فإن الدافع لعقد دورة المجلس الوطني، هو إجراء تعديلات وتغييرات على تركيبة المجلس المركزي، وعلى نحو خاص اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. في المجال السياسي لا مجال لقبول حركة "فتح" بمناقشة أي شيء خارج عن إطار البرنامج الذي تقدم به الرئيس محمود عباس أمام المؤتمر السابع للحركة وتمت الموافقة عليه بالإجماع.
كيفما قلبت الأمور، فإن الخطوات اللاحقة المترتبة على اجتماع اللجنة التحضيرية لن تخرج عن الوجهة التي يرسمها الرئيس عباس، والأهداف المطلوب تحقيقها، ما يعني أن الساحة الفلسطينية مقبلة على المزيد من التوتر في العلاقات الداخلية، ونحو تعميق الانقسام، وإضافة المزيد من العقبات أمام إمكانية تحريك قطار المصالحة المتعطل منذ ثماني سنوات.
في المحصلة، فإن ما يجري منذ كثير من الوقت يبين الفارق بين أصحاب الخبرة الطويلة، والحنكة في إدارة الأوضاع الداخلية وبين محدثي التجربة، الذين ما أن يخرجوا من مطب حتى يقعوا أو يوقعهم أصحاب الخبرة في مطب آخر قد يكون أصعب. 

نحو تلبية استحقاقات مرحلة التصدي والصمود

مهمة هي المبادرة التي طرحها وزير الخارجية الأميركية جون كيري، وتتضمن رؤيته لإعادة إحياء المفاوضات وعملية السلام على أساس رؤية الدولتين، غير أنه وفق معايير الحقوق الفلسطينية وقرارات الأمم المتحدة فإن الأهم هو الشهادة التي قدمها في حديثه حول إسرائيل وسياساتها ومسؤوليتها عن تعطيل العملية السياسية برمتها.
العناصر التي قدمها كيري كإطار لتفعيل عملية السلام، تخالف قرارات الأمم المتحدة بخصوص الحقوق الفلسطينية الثابتة وتنتهك هذه الحقوق التي لا يتبقى منها استناداً لرؤية كيري سوى دولة فلسطينية بدون أظافر أو أسنان، مع بقاء الكتل الاستيطانية ضمن حدود الدولة الفلسطينية.
القدس من وجهة نظره عاصمة لدولتين وبالتالي موضوعياً وبحسب موازين القوى ستكون عاصمة لإسرائيل عملياً، أما موضوع حق العودة فهو عملياً مشطوب من الحقوق، ومقابل هذه الانتهاكات يترتب على الفلسطينيين الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل.
هي معقولة بالقياس لجوهر السياسات والمواقف الأميركية المعروفة بانحيازها التاريخي والكلي لإسرائيل، ولأنها تصطدم بسياسة إسرائيلية متطرفة لا مكان فيها لدولة فلسطينية وأية حقوق تتجاوز سلطة حكم ذاتي محدود الصلاحيات.
وربما لهذا السبب ولأن الفلسطينيين يعرفون أنها ستكون مرفوضة من ألفها إلى يائها من قبل إسرائيل، فإنهم رسمياً يرحبون بها طالما أنها تنطوي على بعد اعتراضي على ما تقوم به إسرائيل، وبعد تعبوي للمجتمع الدولي.
قد تتحول هذه الرؤية الإطارية إلى قرارات من قبل مؤتمر باريس الذي يفترض أن ينعقد أواسط هذا الشهر وقد تتحول إلى مجلس الأمن الدولي ليتخذ فيها قراراً لا تعترض عليه الولايات المتحدة مثلما يتوقع بنيامين نتنياهو، لكن الأهم هي الخطوات التي يترتب على الطرف الفلسطيني اتخاذها لتحقيق وانتزاع المزيد من الإنجازات على المستوى الدولي.
نتمنى أن يكون الترحيب العربي السريع والصريح بأفكار كيري منطلقا من قراءة استثمارية لرفض إسرائيل الإجماع الدولي، ذلك أن هذه الأفكار لا تلبي الحد الأدنى من مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في العام 2002.
إسرائيل كما أعلن نتنياهو تجرد حملة سياسية وتحريضية واسعة على مؤتمر باريس الذي يعتبره رئيس حكومة إسرائيل مؤتمراً وهمياً لا قيمة له. هذا يعني أن إسرائيل إلى أن ينعقد المؤتمر وخلال أيام انعقاده ستدخل في إشكاليات وتوترات مع معظم الدول التي ستحضر المؤتمر.
في المحصلة، فإن إسرائيل تتجه بسياساتها الخرقاء نحو عزل نفسها أكثر فأكثر على المستوى الدولي، بحيث لا يكون بمقدور الرئيس الأميركي المقبل ترامب إنقاذها من هذه العزلة. وبكلام واضح فإن نتنياهو يراهن على ترامب الذي صدر عن أحد مستشاريه ما يفيد بأنه سيقوم بإصدار مراسيم تلغي الكثير من القرارات التي اتخذتها إدارة الرئيس أوباما خلال سنواتها الثماني.
تستطيع إسرائيل الاعتماد على ترامب وإدارته ومستشاريه لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء بالنسبة لسياسات الولايات المتحدة، بل ويمكنها أن تراهن على تعميق الانحياز الأميركي لإسرائيل، واتخاذ المزيد من القرارات ضد الحقوق الفلسطينية، لكن هذا لن يبدل المزاج الدولي الذي تشكل خلال العقود السابقة.
إذا كان هذا هو رهان إسرائيل وهو رهان تدميري لأنه يؤدي إلى عزلها دولياً، والتسريع بتعميق عنصريتها ولا ديمقراطيتها، فإن الفلسطينيين موضوعياً يراهنون على أن سياسة ترامب الأكثر انحيازاً لإسرائيل من شأنها أن تخلي الساحة الدولية لتعظيم التحولات الجارية لصالح القضية الفلسطينية.
بعض الإسرائيليين أشاروا عن حق الى أن ما طرحه كيري يجعله صهيونياً بامتياز، وأنه من موقع الحرص على إسرائيل يسعى لحمايتها من نفسها، لكن الأغلبية الحاكمة والمتحكمة بالسياسة الإسرائيلية تتهمه زوراً بالانحياز للفلسطينيين ومعادة إسرائيل التي تصر على رفضها لرؤية الدولتين وتعمل على برنامج دولة غزة.
المشكلة هنا فلسطينية بالدرجة الأولى، ذلك أن السياسات الفلسطينية المتناقضة والمنقسمة على نفسها، ما تزال تراوح عند حدود الشعارات فيما يتعلق بوحدة الجغرافيا والنظام السياسي الفلسطيني. الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس تحدث مؤخراً عن الفيدرالية، الأمر الذي ينطوي على خطورة بالنظر لأن إسرائيل هي صاحبة اليد الطولى والأطوال في صياغة الوضع الفلسطيني.
لا يكفي التأكيد على أن هذه الفكرة لم تطرح أو تناقش من قبل الهيئات القيادية لـ»حماس»، كما لا يكفي مواصلة التأكيد على أنه لا دولة في غزة ولا دولة فلسطينية بدون غزة، فالسلوك الفلسطيني عموماً يسهّل على إسرائيل مواصلة العمل لإنجاح برنامج وهدف دولة غزة.
إن من يضع ما هو معلن من إجراءات فلسطينية خلال الأشهر القليلة المقبلة، إن من يضع هذه الإجراءات في مختبر التحليل الموضوعي يستنتج أن اتجاهات الفعل الفلسطيني الداخلي تتجه نحو تعميق الانقسام وإبعاد الأمل في إمكانية التخلص منه واستعادة الوحدة.
السياسة الإسرائيلية تشكل خطراً على الحقوق الفلسطينية على المدى المنظور، إنما هذا هو جوهر الصراع الذي لا يمكن تغييره إلا بمواصلة النضال، لكن خطر الانقسام وتفاقم حالة الصراع الداخلي تشكل الخطر الأكبر طالما أنها وعلى المدى المنظور أيضاً تشكل عائقاً أمام النضال ضد الاحتلال.
وبصراحة يحتاج الفلسطينيون إلى ثورة على الذات نحو إعادة ترتيب الوضع الفلسطيني برمته وفق استراتيجية وطنية جديدة ومختلفة لمواجهة التحديات التي تطرحها وتنجح في فرضها السياسات الإسرائيلية. إن التاريخ لن يعفي كل طرف فلسطيني والأرجح كل الأطراف الفاعلة من المسؤولية عن انحطاط الوضع الفلسطيني وعن تجاهل هذه الأطراف عن تلبية استحقاقات مرحلة تتسم بالتصدي والصمود وتحتاج إلى الوحدة أكثر مما تحتاج إلى أي شيء آخر.

الاشتراك في هذه خدمة RSS